إعادة تموضع الدولة في الحقل التربوي : قراءة في البنية المعيارية لمشروع القانون 59.21 .

عبد اللطيف نبيه9 ديسمبر 2025آخر تحديث :
إعادة تموضع الدولة في الحقل التربوي : قراءة في البنية المعيارية لمشروع القانون 59.21 .

 

جاءت مصادقة لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب على مشروع القانون رقم 59.21 بعد مسار ونقاش حاد اتسم بكثافة التعديلات وتعارض التصورات حول مستقبل المنظومة التربوية. فقد شكلت جلسة 3 دجنبر 2025 لحظة اختبار لمدى قدرة الفاعلين السياسيين على إعادة بناء توافقات جديدة في مجال يعد من أكثر الملفات حساسية في السياسات العمومية ، إذ تقاطع فيه البعد الاجتماعي مع متطلبات التحديث التشريعي والرهانات المالية والتنظيمية.

 

ورغم حجم التعديلات التي بلغت 228 مقترحا ، فإن النسخة المصادق عليها احتفظت بجوهر الفلسفة الحكومية التي قامت على إعادة ضبط المسؤوليات داخل المنظومة، وربط الحقوق بالواجبات، وتوسيع مساحات تدخل الدولة في تتبع التمدرس دون المساس بموقع القطاع الخاص كشريك اقتصادي وتربوي. وقد بدا واضحا أن الحكومة حرصت على تجنب أي التزامات مالية مباشرة قد تثقِل كاهل الميزانية، مفضلة توجيه النقاش نحو ضمان الانضباط التنظيمي بدل التوسع في التدابير الاجتماعية ذات التكلفة المرتفعة.

 

وتشكل المادة 62 المثال الأبرز على هذا التوجه ؛ إذ جعلت من إلزامية التسجيل نقطة ارتكاز لإصلاح العلاقة بين الأسرة والمدرسة. فالغرامات المفروضة على المتخلفين عن تسجيل أبنائهم لا تُقرأ فقط كإجراء زجري، بل كجزء من رؤية تستهدف إغلاق منافذ الهدر المدرسي منذ مراحله الأولى وربط الأسرة بشرط المواكبة المبكرة. غير أن هذا الخيار، رغم منطقه الإداري، أثار تساؤلات حول مدى انسجامه مع هشاشة أوضاع شريحة واسعة من الأسر، وهو ما عبرت عنه المعارضة بوصفها هذا الإجراء “انحيازا للأداة العقابية” بدل تطوير آليات الدعم.

 

ويتعزز هذا المنحى من خلال إلزام الأسر بالتصريح بالأطفال ابتداء من سن السنتين، واعتماد معرف رقمي يلازم المتعلم طيلة مساره الدراسي. ويكشف هذا الإجراء عن رغبة واضحة في بناء نظام معلوماتي متكامل يسمح للدولة بتتبع حركة الالتحاق والانقطاع، بما يعني انتقالا من منطق التدبير المرحلي إلى منطق التتبع الاستباقي الذي يجعل الأسرة في قلب الخريطة الإدارية للمدرسة. وفي حال الامتناع أو التقاعس، يجعل القانون الأكاديميات في موقع الفاعل المباشر عبر التسجيل التلقائي، وهو ما يخلق علاقة جديدة بين الإدارة المحلية والمؤسسة التعليمية.

 

وفي مستوى آخر، طرح الجانب المتعلق بتمويل التعليم رهانات أعمق من مجرد نقاش حول نسب مخصصة للاستثمار، إذ كشف رفض الحكومة إلزام الجماعات بربع ميزانياتها عن اختلاف في تصور دور الفاعل الترابي داخل المنظومة. فبينما دعا نواب إلى توسيع مسؤولية الجماعات باعتبارها الأقرب إلى الواقع المحلي، تشبثت الحكومة باستقلاليتها المالية، محيلة على ضرورة أن يتم التمويل عبر شراكات وتقسيم مؤسسي للمهام. وقد عكس هذا النقاش توترا قديما بين الدولة المركزية والجماعات في ما يخص حجم تدخل كل منهما في إدارة المدرسة.

 

أما التعليم الخصوصي، فقد ظل بؤرة التوتر الأساسية، ليس فقط بسبب الجدل حول الرسوم أو هامش الربح، بل لأن هذا القطاع يتحرك داخل فراغ معياري ظلت الدولة مترددة في إعادة بنائه. وقد تمتعت المؤسسات الخاصة في النسخة المصادق عليها بقدر كبير من الحرية الاقتصادية، مقابل تعزيز المراقبة الإدارية والزجرية. وظهر هذا التوازن أيضا في قبول تعديلات تقنية تتعلق بمحاربة الهدر المدرسي، مقابل إسقاط أخرى ترتبط بالدعم الاجتماعي وتقييم الأطر، بما يعكس رغبة الحكومة في حماية تنافسية القطاع دون الانخراط في تنظيمات قد تفقده جاذبيته الاستثمارية.
وتبرز منظومة العقوبات الجديدة كأداة لتقوية الدولة داخل الحقل التعليمي، حيث إن الغرامات الثقيلة الموجهة للمؤسسات التي تفتح دون ترخيص، أو تغيّر مقرها، أو تحرم التلاميذ من حقوقهم التربوية، تشير إلى عودة واضحة لسلطة القانون في مواجهة ممارسات شاعت داخل القطاع خلال السنوات الماضية. ويتعزز هذا الاتجاه عبر منح موظفي الأكاديميات صلاحيات ضبط واسعة، تجعل من محاضرهم وثائق ذات قوة إثبات تضاهي محاضر الشرطة القضائية، في محاولة لإحداث تحول نوعي في أدوات المراقبة والتتبع.

 

وتكشف هذه البنية التشريعية الجديدة عن محاولة لإرساء نظام تعليمي أكثر صرامة في الجانب التنظيمي، وأكثر انفتاحا في الجانب الاقتصادي، وأشد حذرا في الجانب الاجتماعي. ويبدو أن الإصلاح، في صورته الحالية، يسعى قبل كل شيء إلى إعادة بناء النظام الإداري للمدرسة، مع ترك هامش واسع لتطور السياسات الاجتماعية لاحقا، مما يجعل المشروع خطوة انتقالية أكثر منه معالجة شاملة لكل اختلالات المنظومة. غير أن نجاحه سيظل رهينا بمدى قدرة الدولة على موازنة الوظيفة الزجرية بقدرتها على توفير دعم فعلي للأسر، وتفعيل مراقبة فعّالة تحفظ مصالح المتعلمين دون التضييق على الدينامية الاستثمارية للقطاع الخاص .

 

وتبعا لما سبق، يتضح أن مشروع القانون 59.21 لا يشكل مجرد تجميع لمقتضيات تنظيمية متناثرة، بقدر ما يمثل محاولة لإعادة رسم حدود الفعل التربوي عبر تمكين الدولة من موقع معياري أكثر حضورا وصرامة داخل المنظومة. فتعزيز أدوات المراقبة، وتوسيع نطاق الإلزام، وإرساء نظام للمتابعة الرقمية، كلها عناصر تشير إلى انتقال من نمط تدبير يقوم على المرونة والتقدير إلى نمط آخر يضع الضبط القانوني في قلب سياسات التعليم. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا التحول رهينا بقدرة الدولة على الموازنة بين سلطتها التنظيمية وحاجات العدالة التربوية، وعلى تحويل هذا الإطار المعياري الصارم إلى ممارسة مؤسساتية فعالة تستجيب لتطلعات المجتمع. بذلك، يغدو مشروع القانون خطوة تأسيسية في مسار طويل لإعادة تموضع الدولة داخل الحقل التربوي، لكنه يظل محتاجا إلى سياسات مصاحبة تحول الصرامة القانونية إلى مردودية تربوية حقيقية.

الاخبار العاجلة
error: تحذير