لا يقتصر توطين مشروع الأمانياك منخفض التكلفة بمدينة العيون على بعده الصناعي أو الطاقي فحسب ، بل يحمل دلالات سيادية ورمزية عميقة. فهو يجسد عمليا “أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها” من خلال تحويل الأقاليم الجنوبية للمملكة إلى فضاء استثماري استراتيجي يحتضن مشاريع دولية كبرى ذات قيمة مضافة عالية .
و إن اختيار مدينة العيون لاحتضان مشروع ضخم بشراكة مع فاعلين من الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا و ألمانيا يعكس مستوى متقدما من الثقة في الاستقرار المؤسساتي والقانوني للمملكة المغربية ، ويترجم في الآن ذاته تأكيد الإعتراف بمغربية الصحراء بشكل عملي عبر الانخراط في استثمارات طويلة الأمد داخل أقاليمنا الجنوبية . فالديناميات الاقتصادية الكبرى لا تبنى على اعتبارات ظرفية ، بل على قناعات راسخة تضمن استدامة المشاريع وحماية الاستثمارات .
كما أن هذا التموقع الصناعي الجديد يعزز اندماج الأقاليم الجنوبية في سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالانتقال الطاقي ، ويحولها من مجال جغرافي ذي رمزية سياسية إلى قطب إنتاجي فاعل ضمن الاقتصاد الأخضر الدولي . وهو ما يكرس مقاربة تنموية تجعل من الاستثمار أداة لترسيخ الوحدة الترابية ، عبر تنمية حقيقية ومستدامة تعود بالنفع المباشر على الساكنة المحلية .
ويجسد هذا المشروع ، في بعده المجالي ، ترجمة عملية لمبدأ العدالة المجالية الذي ما فتئ جلالة الملك محمد السادس نصره الله يؤكد عليه كخيار استراتيجي لتنمية متوازنة وشاملة . فتوجيه استثمار صناعي ضخم إلى مدينة العيون يعكس إرادة واضحة في إعادة توزيع الثروة والفرص بين مختلف جهات المملكة ، وتمكين الأقاليم الجنوبية من الاندماج الكامل في الدينامية الاقتصادية الوطنية والدولية . وإن العدالة المجالية ، في هذا السياق ، لا تختزل في تحسين البنيات الأساسية فحسب ، بل تتجسد في تمكين المجالات الترابية من احتضان مشاريع سيادية كبرى تخلق القيمة المضافة وتعزز الاستقرار والتنمية المستدامة .
وبذلك ، فإن المشروع لا يمثل فقط خطوة متقدمة في مسار التحول الطاقي المغربي ، بل يشكل أيضا تعبيرا عمليا عن السيادة الوطنية من خلال التنمية، حيث تتحول الأرض إلى فضاء إنتاج وإشعاع ، وتصبح الشراكات الدولية رافعة لترسيخ الواقع الميداني للوحدة الترابية في إطار رؤية استراتيجية بعيدة المدى .




