عاد التوتر ليخيّم من جديد على ملف أزمة المحاماة بالمغرب، بعد تعثر مساعي وساطة برلمانية كانت تُعوَّل عليها أطراف سياسية ومهنية لإعادة جسور الحوار بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، في وقت يتصاعد فيه منسوب الاحتقان داخل الجسم المهني وتتسع رقعة الانتظارات بشأن مآل الإصلاحات المرتبطة بالمهنة.
وجاء تعثر المبادرة في سياق سياسي دقيق، أعقب نجاح فرق المعارضة في إيقاف مشروع القانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة وإحالته على القضاء الدستوري، في خطوة عكست آنذاك تنسيقًا ظرفيًا بين مكوناتها. غير أن هذا التقارب سرعان ما اصطدم بخلافات جديدة، برزت هذه المرة حول تفاصيل تنظيم وساطة برلمانية بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي وجمعية هيئات المحامين.
وبحسب معطيات متطابقة، فقد برز خلاف بين مكونات المعارضة بشأن مكان انعقاد لقاء الوساطة. إذ عبّر رئيس الفريق الاشتراكي للمعارضة الاتحادية بمجلس النواب، عبد الرحيم شهيد، عن تمسكه بعقد الاجتماع داخل المؤسسة التشريعية، حفاظًا على الطابع المؤسساتي للمبادرة، رافضًا انتقال البرلمانيين إلى مقر جمعية هيئات المحامين لاحتضان اللقاء. في المقابل، اعتبر آخرون أن مرونة أكبر في هذا الجانب كان من شأنها تسهيل إطلاق الحوار دون تعقيدات شكلية.
ورغم إعلان عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية وصاحب المبادرة الأصلية، استعداده للتنازل عن قيادة الوساطة لفائدة أي طرف برلماني آخر من أجل إنجاح المسعى، فإن الخلاف حول الترتيبات التنظيمية حال دون المضي قدمًا في المبادرة، ليتم تجميدها قبل أن ترى النور.
ويرى متابعون أن هذا التطور يعكس هشاشة التنسيق داخل صفوف المعارضة في الملفات ذات الطابع المهني والمؤسساتي، كما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الفاعلين السياسيين على تحييد الخلافات الحزبية الضيقة عند التعاطي مع قضايا تمس استقرار المنظومة القضائية. فالأزمة القائمة بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين تتجاوز بعدها الظرفي، وترتبط بإصلاحات تشريعية ومهنية تثير نقاشًا واسعًا داخل المهنة بشأن ضمانات الاستقلالية وتوازن الصلاحيات.
وكان يُنتظر أن تشكل الوساطة البرلمانية قناة سياسية موازية لاحتواء التوتر وتهيئة مناخ ملائم لاستئناف الحوار، غير أن تعثرها عمّق حالة الجمود، وأعاد الأزمة إلى مربعها الأول. كما زاد من منسوب القلق داخل الأوساط المهنية التي كانت تترقب مبادرة قادرة على تقريب وجهات النظر وتخفيف الاحتقان.
في ظل هذا الوضع، يبقى الرهان معقودًا على قدرة مختلف الأطراف، سواء داخل المؤسسة التشريعية أو على مستوى الجهاز التنفيذي والهيئات المهنية، على استئناف مسار الحوار بروح توافقية، تُقدّم مصلحة المهنة واستقرار العدالة على الحسابات الظرفية. فملف المحاماة، بحساسيته وارتباطه الوثيق بضمانات المحاكمة العادلة ودولة القانون، يظل في حاجة إلى مقاربة مسؤولة تتجاوز الشكليات نحو حلول عملية تعيد الثقة وتؤسس لتدبير تشاركي للإصلاح.




