يدخل قانون المسطرة الجنائية الجديد حيز التنفيذ ابتداءً من يوم الاثنين، حاملا معه واحدا من أوسع وأعمق الإصلاحات القانونية التي شهدها المغرب في العقود الأخيرة، في خطوة توصف بالمفصلية في مسار تحديث العدالة الجنائية وتعزيز دولة القانون.
ويأتي هذا القانون ليعيد رسم ملامح العدالة الجنائية في مختلف مراحلها، من البحث التمهيدي إلى المحاكمة وتنفيذ العقوبات، مستندًا إلى ثلاثة مرتكزات كبرى تتمثل في تعزيز الحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة، والرفع من نجاعة العدالة عبر الرقمنة وتبسيط المساطر، ثم استشراف وسائل حديثة لمحاربة الجريمة وتعزيز الأمن القضائي.
وقد ركّز المشرّع من خلال هذا النص الجديد على تقوية حماية الحقوق الأساسية للأشخاص المشتبه فيهم والمتهمين والضحايا على حد سواء، عبر توسيع مجال الضمانات القانونية، وترسيخ مبادئ قرينة البراءة، وحق الدفاع، وعدم التعسف في المتابعة أو الاعتقال، بما ينسجم مع الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.
وفي سياق تعزيز النجاعة، شكّل إدماج الرقمنة أحد أبرز التحولات التي جاء بها القانون الجديد، إذ تم التنصيص على اعتماد الوسائل الإلكترونية في عدد من الإجراءات، بما فيها التبليغ، وتدبير الملفات، وتبادل المعطيات بين مختلف المتدخلين في منظومة العدالة، الأمر الذي يرتقب أن يُسهم في تسريع البت في القضايا والحد من البطء المسطري الذي ظل من بين أبرز الإشكالات المطروحة.
كما أولى القانون أهمية خاصة لمكافحة الجريمة بمختلف أشكالها، من خلال ملاءمة الإجراءات مع التحولات التي تعرفها الظواهر الإجرامية، لا سيما الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيا، وغسل الأموال، والاتجار في المخدرات، والجريمة المنظمة، مع تعزيز آليات التتبع والزجر في إطار احترام الضمانات القانونية.
ويرى متابعون أن دخول هذا القانون حيز التنفيذ يشكل مرحلة جديدة في مسار إصلاح منظومة العدالة، ويعكس إرادة مؤسساتية في تحقيق توازن دقيق بين متطلبات حماية الأمن العام وصون حقوق وحريات الأفراد، في أفق إرساء عدالة جنائية أكثر فعالية وإنصافًا.
ويبقى الرهان معقودًا على حسن تنزيل مقتضيات هذا القانون على أرض الواقع، وتوفير الإمكانيات البشرية والتقنية الكفيلة بإنجاح هذا الورش الإصلاحي الكبير، حتى يحقق الأهداف التي وضع من أجلها، ويعزز ثقة المواطن في العدالة ويقوي الأمن القضائي بالمملكة.




