طباعة المقال

من رمضان إلى رمضان ومتغيرات الجائحة.

من رمضان إلى رمضان ومتغيرات الوضعية الوبائية باقية وتمتد بالتناقض. من باحة التفكير السمحة حين نستحضر شهر الصيام في خطب جوامع الجمعة نجد أن الأئمة يتحدثون عن الأجر و التواب في شهر الصيام، وعن الحسنات التي نلتقطها بالتعبئة المضاعفة من عبادات الفروض والسنن المؤكدة. لن نختلف في الأمر ولن نتزايد عنه، فالتقوى هي الفاصل والمحدد. لكن من الملاحظات الوصفية وبلا تعميم، فكل الخطب التي حضرتها لا تتحدث عن الصعاب في تحصيل لقمة العيش عند المواطن البسيط في ظل الجائحة وتزايد مصاريف شهر الصيام، لا تتحدث عن الموارد الحياتية للفقراء الجافة بفعل تقاعس فرص الشغل، وكيفية الدعم الاجتماعي، لا تتحدث عمّا لم يجد ما يسد به رمق عيشه بأدنى حدود الكرامة وتجنب مد اليد للإحسان.

هو شهر الصيام الفضل والمفضل بامتياز في التعبد والتقرب إلى الله، هو رمضان الثاني في ظل الجائحة. هو الركن الديني الذي نتمثل فيه أثر الجوع والعطش والحرمان والصبر، واكتساب مهارات التضامن والتآزر الاجتماعي. هو رمضان الذي تحول عند البعض إلى تفاخر وتكاثر في عروض موائد الإفطار، وتنميط صور البذخ والترف في المواقع الاجتماعية.

قيمة رمضان التعبدية تماثلها بقوة القيم الاجتماعية التضامنية والأخلاقية، تماثلها مد يد العون بصمت وخفية لمن يحتاج المساعدة والدعم والسند، العون بدون رياء ولا خلفيات سياسية ولا تنظيمات حزبية. فمن الملاحظات التي وقفت عندها  في مسجد الحي ومنذ شهر تقريبا والإمام يمطرنا بخطب الجمعة المعيارية عن كيفية تحصيل الحسنات في شهر الصيام وترك السيئات ومفاسد الصيام، يمطرنا بخطب من كتاب (خطب الجمعة) باللغة العربية الفصحى الإنشائية، دون أن يكلف نفسه عناء التفسير والتبسيط ونقل المضامين من الأحكام إلى الأفعال الإجرائية، يمطرنا حتما بأدعية حفظناه بعده عن ظهر قلب، ونحن نردد وراء إمام مسجدنا (آمين) فقط.

حقيقة ليست للتعقيب ولا للتنقيص ولا للتعميم، لما إمام مسجد الحي كل خطبه عبادات، أين الدين المعاملة؟ لما كل خطبه تمثل عميق عن عذاب القبر ونار جهنم والبلاء؟ لما كل أدعيته ضد الكافرين والمارقين ؟ لما كل خطبه تتحدث من الماضي وتبقى وفية للماضي؟ لما يغيب الحاضر ولا يجري عناء عن ذكر عذاب الدنيا والعيش بلا كرامة؟ لما إمام مسجد الحي لم يكلف يوما نفسه الدعاء للفقراء بالعيش الكريم، والمناصفة في فضل السعادة ؟ .

كنت أنتظر منه خطبة في المعاملات الإنسانية وفي فصول تضامن الدستور، ترشدنا جميعا بالكلام المبسط السلس إلى العناية الفضلى بالإنسان في حياته قبل مماته (ابك علي وأنا حي). كنت حقا أنتظر من خطبة الجمعة أن تنال حق تتبع ما يقع في المدينة من أحداث راقية بالتثمين، وأخرى مشينة بالمعالجة الدينية والقانونية. كنت أنتظر منه الدعوة إلى التصالح مع الذات والآخر، وأن نحط من خلافاتنا السياسية والثقافية والاجتماعية جانبا ونتحد ضد الفقر والحاجة.

رمضان أقبل بفضله ودعاء بالجمع لنا” اللهم بلغنا شهر رمضان، ونحن فيه لا فاقدين ولا مفقودين، فنحن لك نعبد ونسجد ونركع ونحمدك، فنحن بك آمنا، ونحن لرحمتك نرجو، فلا تحرمنا رحمتك ومغفرتك يا الله”. هو رمضان الثاني في ظل الحظر في زمن (كورونا)، فاللهم أعنا على صيامه وقيامه، أعنا على مساندة إخوان لنا بالعون والعناية الأخلاقية، اللهم وجه أيدينا خفية بما قل من الدعم أو كثر لمن يحتاج السند في شهر الصيام وغيره من شهور السنة، اللهم حصل لنا حسنات من خير الصدقات وأن تماثل حسنات التعبد والتقرب إليك صياما، اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا من ذنوب جار لا يقدر تحمل مصاريف شهر الصيام، اللهم أعنا على قضاء حوائج الناس بالحسنى والفضل الخفي، اللهم خفف من ألسن السوء والخصام، وأمددنا قاموسا من القول اللين النظيف والداعم لكل فقير محتاج أو مريض يحتاج إلى دعواتنا بابتهال ودعم ملازم له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *