وصول السفير الأمريكي الجديد إلى الرباط: دلالات استراتيجية في لحظة إقليمية متحولة

عبد اللطيف نبيه2 ديسمبر 2025آخر تحديث :
وصول السفير الأمريكي الجديد إلى الرباط: دلالات استراتيجية في لحظة إقليمية متحولة

 

يمثل تقديم السفير الأمريكي ريتشارد ديوك بوكان الثالث أوراق اعتماده لدى المملكة المغربية اليوم الثلاثاء 2 دجنبر 2025 ، لحظة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، إذ يندرج هذا التعيين في سياق دولي يتميز بعودة الجغرافيا السياسية كلاعب رئيسي في تشكيل موازين القوى، وبروز احتياجات أمنية واقتصادية جديدة تدفع الدول لإعادة تقييم تحالفاتها. ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى وصول بوكان بوصفه مجرد إجراء بروتوكولي، بل باعتباره جزءا من مقاربة أمريكية متجددة تستهدف تعزيز حضور واشنطن في شمال إفريقيا، استنادا إلى قراءة دقيقة لموقع المغرب ضمن النظام الإقليمي والتحولات الجارية في القارة الإفريقية.
ويكشف تحليل خطاب السفير الأمريكي خلال جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ عن تصور استراتيجي واضح لدور المغرب، إذ اعتبره “ركيزة للاستقرار” و”فاعلا محوريا للأمن القومي الأمريكي”. هذا التصور لا ينفصل عن التحولات التي تعرفها المنطقة، خصوصا تزايد التهديدات العابرة للحدود، وتفاقم أزمات الساحل والصحراء، وصعود قوى دولية جديدة تبحث عن موطئ قدم في إفريقيا. ومن الناحية العملية، يعكس هذا الخطاب تبني الولايات المتحدة رؤية تعترف بأن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب الاعتماد على دول قادرة على إنتاج الأمن وليس فقط استهلاكه، والمغرب إحدى هذه الدول القليلة في شمال إفريقيا.

وتبرز قضية الصحراء المغربية بوصفها أحد أهم محددات السياسة الأمريكية في المنطقة، حيث يمثل الدعم الأمريكي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تحولا مؤسساتيا وليس موقفا سياسيا عابرا. ومن زاوية علم السياسة، فإن هذا الموقف يستند إلى ثلاثة عناصر أساسية: أولا، كون المغرب يقدم نموذجا للاستقرار يمكن أن يعول عليه ضمن مقاربة أمريكية تبحث عن شركاء موثوقين؛ ثانيا، ارتباط الأمن الإقليمي بالصحراء كمجال استراتيجي يطل على الأطلسي والساحل؛ وثالثا، رغبة واشنطن في موازنة النفوذ المتصاعد لقوى دولية أخرى، من بينها الصين وروسيا، داخل الفضاء الإفريقي. ومن هذا المنطلق، فإن تسريع فتح القنصلية الأمريكية في أقاليمنا الجنوبية لم يعد خيارا رمزيا فقط، بل خطوة عملية لترسيخ حضور دبلوماسي يرتبط بمقاربة أمنية واقتصادية شاملة.
أما على المستوى الاقتصادي والجيو-اقتصادي، فيحمل افتتاح المقر الجديد للقنصلية العامة بالدار البيضاء داخل “كازا فينانس سيتي” أبعادا تتجاوز الجانب الإداري، إذ يشكل هذا التموقع اعترافا بدور المغرب المتزايد كمركز مالي إقليمي يدخل بدوره في شبكة الاقتصاد العالمي الجديد. ومن منظور العلاقات الدولية، فإن الولايات المتحدة حين تختار التموقع في قطب مالي صاعد، فإنها بذلك تدرج المغرب ضمن فضاء استراتيجي يتجاوز حدود السوق المحلية ليشمل إفريقيا الغربية والوسطى. وهذا يعكس توجها أمريكيا لإعادة رسم خريطة الاستثمار في إفريقيا عبر بوابة الرباط والدار البيضاء.

وعلى المستوى الأمني والعسكري، يدخل هذا التعيين ضمن دينامية شراكة ممتدة ترتكز على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق العمليات، والمشاركة في تدريبات عسكرية مشتركة مثل تمرين “الأسد الإفريقي”. وهذه المقاربة، التي يمكن إدراجها ضمن إطار “الأمن التعاوني”، تطرح المغرب كشريك بنيوي داخل الاستراتيجية الأطلسية، خاصة في ظل إعادة تشكيل التحالفات الأمنية بسبب الحروب المتكررة في مناطق مختلفة من العالم. ومن منظور التحليل السياسي، فإن المغرب يجمع بين امتلاك قدرات أمنية فعلية وبين شرعية سياسية ومؤسساتية تجعله شريكا مفضلا بالنسبة لواشنطن مقارنة بغيره من الفاعلين الإقليميين.

 

كما أن البعد الثقافي والتعليمي للعلاقات الثنائية، رغم طابعه الناعم، يندرج ضمن سياسة أمريكية طويلة الأمد تهدف إلى بناء نخب جديدة تتقاطع مرجعياتها الأكاديمية والقيمية، بما يضمن توسيع نطاق نفوذها غير المباشر. وفي هذا السياق، تظهر الولايات المتحدة حرصا على تطوير برامج التبادل الأكاديمي والبحث العلمي مع المغرب، باعتبارها أدوات فاعلة لتشكيل بيئة فكرية وسياسية متقاربة على المدى البعيد.

 

ومن زاوية تحليل العلاقات الدولية، يجب وضع هذا التعيين في إطار التحولات الكبرى التي يعرفها النظام العالمي، خاصة التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى داخل إفريقيا. ففي الوقت الذي توسع فيه الصين حضورها الاقتصادي، وروسيا حضورها الأمني، تعمل الولايات المتحدة على تعزيز حضور أكثر توازنا، يجمع بين الدبلوماسية، والاستثمار، والتعاون الأمني. ويبدو أن المغرب يمثل إحدى النقاط القليلة التي يمكن لواشنطن أن تبني فيها شراكة مستقرة وطويلة الأمد، نظرا لثبات مؤسساته، ووضوح رؤيته التنموية، وقدرته على الحفاظ على استقلالية قراره الخارجي.

 

إن تعيين السفير ريتشارد ديوك بوكان الثالث يشكل، إذن، لحظة سياسية تتجاوز بعدها الدبلوماسي المباشر لتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من العلاقات المغربية–الأمريكية، مرحلة تقوم على إدماج البعدين الأمني والاقتصادي ضمن رؤية إستراتيجية متعددة المستويات. وفي هذا السياق، يمكن القول إن العلاقات بين الرباط وواشنطن تتجه نحو بناء نموذج تحالف مرن، قادر على استيعاب المتغيرات، وتجاوز المقاربات التقليدية، والانخراط في مسار تعاون يستجيب للرهانات الإقليمية والدولية التي تفرضها الجغرافيا السياسية الجديدة .

الاخبار العاجلة
error: تحذير