لا يمكن مقاربة الأمثال الشعبية باعتبارها مجرد تعبيرات لغوية عابرة , بل هي، في عمقها ، أنساق رمزية تختزل تجارب جماعية وتعيد إنتاج تمثلات المجتمع حول القيم والمكانة والسلطة . وفي هذا الإطار ، يندرج المثل القائل : “إلى ديرتي راسك بين الريوس تتباس، وإلى درتي راسك بين الرجلين تتداس”، كخطاب دلالي مركب يعكس وعيا اجتماعيا حادا بآليات التموقع داخل البنيات الاجتماعية .
إن هذا المثل يؤسس، ضمنيا، لفكرة أن القيمة الاجتماعية للفرد لا تختزل في خصائصه الذاتية ، بل تبنى أيضا من خلال موقعه داخل شبكات العلاقات والرموز . وهو ما يتقاطع مع أطروحات بيير بورديو حول “الرأسمال الرمزي”، حيث تصبح المكانة نتاجا لتفاعل معقد بين ما يمتلكه الفرد من موارد (ثقافية، اجتماعية، رمزية) وبين الحقول التي ينخرط فيها . فاختيار “مجالس الريوس” في المثل ليس مجرد اختيار مكاني ، بل هو تموقع داخل حقل يُنتج الاعتراف ويعيد توزيع الهيبة .
من جهة أخرى ، يكشف الشطر الثاني من المثل عن آلية مضادة ، حيث يؤدي سوء التموقع إلى تقويض القيمة ، ليس بالضرورة بسبب نقص جوهري في الكفاءة ، بل نتيجة الانخراط في فضاءات تُعيد تعريف الفرد وفق معاييرها الدنيا . وهنا تتجلى فكرة “إعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية”، حيث يصبح المحيط محددا أساسيا في تكريس أو تقويض المكانة . هذا الطرح يجد صداه أيضا في أعمال إميل دوركايم ، الذي أبرز كيف أن الاندماج داخل جماعات معينة يفرض على الفرد أنماطا من السلوك والتقدير تتجاوز إرادته الفردية .
وعلى مستوى أعمق ، يمكن قراءة هذا المثل باعتباره نقدا ضمنيا لوهم الفردانية المطلقة ، إذ يضعنا أمام حقيقة أن الذات ليست معطى مستقلا ، بل هي بناء اجتماعي يتشكل في سياق تفاعلي . فالاختيارات التي تبدو فردية – من قبيل الصحبة ، الفضاء المهني ، أو الانتماء الرمزي – تتحول إلى محددات بنيوية تعيد صياغة موقع الفرد داخل الهرم الاجتماعي .
كما أن هذا المثل يفتح أفقا للتفكير في مفهوم “الذكاء الترابي والاجتماعي”، حيث لا يكفي أن يمتلك الفرد كفاءات عالية ، بل يتعين عليه أن يحسن قراءة السياقات واختيار الفضاءات التي تُثمّن هذه الكفاءات . فالفشل في هذا الاختيار قد يؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ”هدر الرأسمال الرمزي”، حيث لا تجد الإمكانات الفردية شروط تحققها داخل محيط غير ملائم .
أكيد أن المثل الشعبي موضوع التحليل لا يقدم مجرد نصيحة أخلاقية حول اختيار الصحبة ، بل يؤسس لرؤية سوسيولوجية عميقة مفادها أن المكانة الاجتماعية هي نتاج جدلية مستمرة بين الذات والوسط ، وأن التموقع الواعي داخل الحقول المناسبة يمثل شرطا أساسيا للاعتراف والارتقاء . ومن ثم ، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في “ما نملكه”، بل في “أين نضع أنفسنا” ضمن خرائط القوة والمعنى داخل المجتمع .
و بمعنى آخر ، فإن قيمة الإنسان لا تُبنى في الفراغ ، بل تتشكل داخل شبكة معقدة من العلاقات والتمثلات ؛ حيث يصبح اختيار المحيط فعلا محددا لمصير المكانة ، بين منطق الارتقاء ومنطق التبخيس.




