يظهر إقرار الكنيست الإسرائيلي ليوم وطني خاص باليهود المغاربة كيف تدار الذاكرة في السياق الإسرائيلي باعتبارها أداة لإعادة ترتيب الهوية الوطنية وتثبيت سردية جامعة عبر التشريع والمؤسسة. في المقابل، تقوم القراءة المغربية للذاكرة اليهودية الوطنية على منطق مختلف، لا يقنّن الذاكرة بقدر ما يدمجها عضويا في التاريخ الاجتماعي والثقافي للمغرب.
في التجربة المغربية ، لم تختزل الذاكرة اليهودية في لحظة هجرة أو في مسار سياسي بعينه ، بل جرى تثبيتها كجزء أصيل من النسيج الوطني، عبر الاعتراف الدستوري بالروافد العبرية للهوية المغربية ، وحفظ التراث المادي واللامادي، واستمرار الحضور الرمزي والمؤسساتي لليهود المغاربة داخل الفضاء العمومي. هنا، لا تدار الذاكرة بمنطق الاستعادة ، بل بمنطق الاستمرارية.
أما في السياق الإسرائيلي ، فتستعاد الذاكرة اليهودية المغربية ضمن منطق إعادة الاعتبار بعد التهميش، حيث يعاد إدماجها داخل سردية وطنية صاعدة، تبرز الخصوصية الثقافية بوصفها رافدا من روافد الدولة، لا بوصفها امتدادا لفضاءها الأصلي. هذا الفرق الجوهري يجعل الذاكرة ، في الحالة الإسرائيلية، أداة لإعادة التوازن الداخلي، بينما تظل، في الحالة المغربية، عنصرا من عناصر الهوية القائمة لا تحتاج إلى إعادة إدماج.
وفي إطار القوة الناعمة، يقدّم المغرب نموذجا مغايرا لإدارة الذاكرة اليهودية، قوامه التعايش التاريخي والاعتراف المؤسساتي غير المشروط ، دون توظيف سياسي مباشر للذاكرة أو تحويلها إلى موضوع صراع سردي. هذه المقاربة تمنح المغرب رأسمالا رمزيا خاصا ، يقوم على الهدوء التاريخي والاستمرارية الحضارية ، لا على إعادة كتابة الماضي.
أما صراع السرديات ، فيتجلى في اختلاف زاوية النظر إلى الهجرة نفسها : فبينما تعاد قراءتها في إسرائيل باعتبارها مسار تشكُّل جماعي جديد، تدرج في الذاكرة المغربية كجزء من تحولات تاريخية أوسع، لم تلغِ روابط الانتماء ولا ذاكرة العيش المشترك . من هنا ، لا تناقض بين السرديتين بقدر ما يوجد اختلاف في وظيفة الذاكرة داخل كل مشروع وطني.
أكيد أن هذه الموازنة تكشف أن الذاكرة اليهودية المغربية تستثمر في إسرائيل كأداة لإعادة بناء الهوية والقوة الناعمة ، بينما تدار في المغرب كرصيد حضاري متجذر لا يحتاج إلى تشريع كي يكتسب شرعيته . وبين المقاربتين ، يتجلى صراع سردي هادئ ، لا يقوم على النفي ، بل على اختلاف في تأطير الماضي ووظيفته في الحاضر .




