يشهد المغرب في السنوات الأخيرة تحوّلا تدريجيا في تمثلات التنمية الترابية ، حيث لم تعد هذه الأخيرة مقتصرة على المقاربات الاقتصادية والبنيات التحتية ، بل أصبحت منفتحة على أبعاد رمزية وإبداعية ، في مقدمتها الثقافة باعتبارها رافعة استراتيجية لإنتاج القيم الكونية المثلى وتعزيز الجاذبية المجالية . غير أن هذا التحول،، على أهميته ، لا يزال يواجه تحديات بنيوية تعيق تفعيل الأدوار الحقيقية للفعل الثقافي على المستوى المحلي ، وفي مقدمتها استمرار تهميشه داخل منظومة التدبير الترابي .
فعلى الرغم من تنامي الخطاب الرسمي والمؤسساتي الذي يعترف بأهمية الصناعات الثقافية والإبداعية في تحقيق التنمية ، ما تزال الثقافة تُدرج في برامج عمل عدد من الجماعات الترابية ضمن وظائف ثانوية أو ذات طابع مناسباتي . وغالبا ما يتم اختزالها في تنظيم مهرجانات ظرفية أو أنشطة احتفالية تفتقر إلى الاستمرارية والأثر البنيوي ، وهو ما يعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة قادرة على إدماج الثقافة في صلب السياسات العمومية المحلية .
ويجد هذا الوضع تفسيره في هشاشة التموقع المؤسساتي لما يُعرف بـ”المصالح الثقافية ” داخل الهيكلة التنظيمية للجماعات الترابية ، حيث تعاني هذه الأخيرة من ضعف في الموارد البشرية المؤهلة ، ومحدودية الإمكانات المالية ، فضلا عن غموض في الاختصاصات والأدوار . ونتيجة لذلك ، تصبح هذه المصالح عاجزة عن الاضطلاع بوظائف التخطيط والتنسيق والتقييم ، ما يحول دون بلورة سياسات ثقافية محلية فعالة ومندمجة .
غير أن إشكالية التهميش لا تقتصر على الجوانب التقنية أو المادية ، بل تمتد إلى مستوى التمثلات ، خاصة لدى عدد من الفاعلين المحليين ، وفي مقدمتهم المنتخبون . إذ غالبا ما يُنظر إلى الثقافة باعتبارها قطاعا غير منتج أو أقل أولوية مقارنة بقطاعات أخرى تُعدّ أكثر إلحاحا ، كالبنيات التحتية والخدمات الأساسية … غير أن هذا التصور يتعارض مع ما أفرزته التجارب الدولية المقارنة ، التي أثبتت أن الاستثمار في الثقافة يمكن أن يشكل مدخلا أساسيا لتحفيز الاقتصاد المحلي ، وتعزيز التماسك الاجتماعي ، وتثمين الهوية الترابية .
و في هذا السياق ، تبرز الحاجة إلى إحداث تحول نوعي في الوعي السياسي المحلي ، يجعل من الثقافة مكونا بنيويا في الرؤية التنموية ، لا مجرد عنصر تكميلي أو تجميلي . ويتطلب ذلك ، بالأساس ، الاستثمار في قدرات المنتخبين والفاعلين الترابيين من خلال برامج للتكوين والتأطير ، تمكّنهم من استيعاب رهانات الاقتصاد الثقافي وآلياته ، وتؤهلهم لتوظيفه ضمن استراتيجيات التنمية المحلية .
كما يقتضي هذا التحول تطوير أدوات التخطيط الترابي ، عبر إدماج البعد الثقافي بشكل صريح ضمن برامج عمل الجماعات ، من خلال اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس الأثر الثقافي ، وتخصيص موارد مالية كافية لدعم المشاريع الإبداعية ، وتشجيع المبادرات الثقافية المستدامة . ولا يقل أهمية عن ذلك ، ضرورة الانتقال من منطق التدبير المناسباتي إلى منطق السياسات العمومية الثقافية ، القائمة على التخطيط الاستراتيجي ، والتقييم المستمر ، والانفتاح على الشراكات مع مختلف الفاعلين ، سواء من القطاعين العام والخاص أو من مكونات المجتمع المدني .
ولا يمكن تحقيق هذا التحول دون إعادة الاعتبار للمصالح الثقافية داخل الجماعات الترابية ، عبر تمكينها من موقع تنظيمي واضح يخول لها صلاحيات المبادرة والتنسيق ، ويضمن لها الموارد البشرية والمالية الضرورية . فالمطلوب ليس فقط إحداث بنية إدارية ، بل إرادة مؤسساتية قادرة على قيادة الفعل الثقافي محليا في انسجام مع التوجهات الوطنية .
وفي هذا الإطار ، يكتسي تعزيز التكامل بين مختلف مستويات الحكامة الترابية أهمية خاصة ، في انسجام مع ورش الجهوية المتقدمة ، بما يسمح بتوزيع عادل للموارد الثقافية وتقليص الفوارق المجالية . كما يمكن للجماعات الترابية ، في هذا السياق ، أن تضطلع بدور محوري في تثمين خصوصياتها الثقافية وتحويلها إلى عناصر جذب واستثمار ، بما يسهم في تعزيز إشعاعها الترابي وخلق ديناميات اقتصادية واجتماعية جديدة .
و إن الرهان اليوم لم يعد مرتبطا بمجرد الاعتراف بأهمية الثقافة ، بل بمدى القدرة على ترجمة هذا الاعتراف إلى سياسات عمومية محلية ملموسة . فإدماج الثقافة في برامج عمل الجماعات الترابية يقتضي تحوّلا مزدوجا : تحولا مؤسساتيا يعيد ترتيب موقع الفعل الثقافي داخل هندسة القرار المحلي ، وتحولا في الوعي التنموي يجعل من الثقافة رافعة استراتيجية لإعادة تشكيل النموذج التنموي الترابي .
وبين واقع التهميش وحدود الوعي ، تظل آفاق التحول قائمة ، رهينة بمدى قدرة الفاعلين المحليين على استثمار الإمكانات الكامنة في الرأسمال اللامادي ، وتحويله إلى قوة اقتراحية وإنتاجية . فالثقافة ، إذا ما تم تمكينها من شروط الفعل والتأثير ، قادرة على أن تتحول من هامش السياسات إلى أحد أعمدة التنمية الترابية المستدامة بالمغرب.
