ذات زمنٍ لم يكن بعيداً، كانت المدينة الجديدة حمرية بمكناس تُعد من أبرز معالم الحداثة العمرانية بالمملكة، ومن أرقى الأحياء التي جمعت بين طابعها الأوروبي وتنظيمها المدني المحكم. تأسست في الحقبة الاستعمارية كامتداد حضري عصري لمدينة مكناس العتيقة، وتميزت بشوارعها المتناسقة، وحدائقها المشذبة، ومقاهيها الراقية التي كانت مرتبة بعناية على جنبات الأرصفة دون أن تمس بحرمة الملك العمومي أو تعيق حركة الراجلين.
في تلك الفترة، كانت حمرية عنواناً للرقي والانضباط، حيث كان الزائر يجد في مقاهيها نظاماً دقيقاً في توزيع الطاولات واحتراماً تاماً لحق المارة. المقاهي لم تكن تغزو الفضاء العمومي، بل كانت جزءاً من المشهد الحضري المتناغم، تعكس روح المدينة الجديدة وتُحاكي نمط الحياة الهادئ والمتوازن.
لكن، في الوقت الذي تُرفع فيه اليوم شعارات رنانة حول “الاستثمار في رأس المال البشري”، تعيش المدينة الجديدة، وبالضبط منطقة حمرية، واقعاً مزرياً لا يمت بصلة لأي رؤية تنموية أو تخطيط حضري مسؤول.
فالملك العمومي، الذي من المفروض أن يكون فضاءً مشتركاً يضمن حرية التنقل وكرامة العيش للمواطنين، أصبح مستباحاً بالكامل من طرف أصحاب المقاهي الذين توسعوا بشكل مفرط وغير قانوني على الأرصفة والفضاءات العمومية، دون حسيب ولا رقيب. الأرصفة التي وُجدت لتسهيل مرور الراجلين تحولت إلى امتداد لطاولات المقاهي، في مشهد لا يعكس إلا الفوضى واللامبالاة.
وإن لم تكن المقاهي كافية، فإن الباعة المتجولين زادوا الطين بلة، بعدما حولوا أهم شوارع المدينة الجديدة إلى أسواق عشوائية تتناسل يوماً بعد يوم، وسط غياب تام لأي رقابة أو تدخل جدي من الجهات المعنية. لا وجود لأي تنظيم، ولا حتى محاولات لتحرير الملك العمومي، وكأن الأمر لا يعني أحداً.
فوضى عارمة، وصمت رسمي مريب، وبيئة عمرانية أصبحت طاردة لكل مظاهر النظام والنظافة. فهل هذا هو “الاستثمار في رأس المال البشري” الذي تطمح له المدينة؟ أم أن المقصود هو الاستثمار في العشوائية والتسيب؟
إن الوضع الراهن يستدعي تدخلاً فورياً وحازماً من طرف السلطات المحلية، لإعادة الاعتبار للمدينة الجديدة كمجال حضري ينبغي أن يُحترم فيه القانون وتُصان فيه كرامة المواطن، بعيداً عن منطق المحاباة و”تسكيت الخواطر”.
