أخبار مكناس 24 – بقلم أبو مروان
تشكّل تدوينة الوزيرة الموريتانية السابقة الناها هارون الشيخ سيديا أكثر من مجرد تعبير عاطفي أو مجاملة دبلوماسية تجاه المملكة المغربية ؛ فهي تحمل في عمقها دلالات سياسية ورمزية تعكس تحوّلا متدربات في المزاج النخبوي داخل موريتانيا إزاء طبيعة العلاقة مع المغرب ، كما تكشف عن حجم التغيرات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة المغاربية وقضية الصحراء المغربية على وجه الخصوص .
و لقد جاءت التدوينة بلغة وجدانية مشبعة بحمولة ثقافية وحضارية ، حيث لم تقدّم المغرب باعتباره “ دولة جارة ” فقط ، بل باعتباره فضاءً مشتركا للتاريخ والهوية والقيم الفضلى . وهذا التوصيف ليس اعتباطيًا ، بل يعكس إدراكا متزايدا لدى جزء من النخبة الموريتانية بأن العلاقات المغربية ـ الموريتانية تتجاوز الاعتبارات الظرفية والسياسية الضيقة ، لتستند إلى عمق اجتماعي وثقافي وروحي ممتد عبر التاريخ .
كما أن إشادتها بالنموذج التنموي المغربي ، في مجالات البنية التحتية والتعليم والسياحة و دقة التنظيم ، تحمل دلالة سياسية ضمنية ؛ إذ إن الإعجاب بالتجربة المغربية لم يعد مقتصرا على الخطاب الشعبي أو الإعلامي ، بل بات يجد صداه داخل دوائر سياسية ودبلوماسية موريتانية سابقة وحالية . وهو ما يعكس إدراكا متناميا لمكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة في إفريقيا ، خصوصا في ظل التحولات الاقتصادية والدبلوماسية التي تقودها الرباط بقيادة الملك محمد السادس حفظه الله .
أما ردود الفعل العنيفة التي تعرضت لها الوزيرة السابقة من طرف عناصر محسوبة على جبهة البوليساريو الإرهابية وبعض المتعاطفين معها ، فتؤكد أن الخطاب التقليدي القائم على الشعارات الإيديولوجية القديمة بدأ يفقد تأثيره أمام التحولات الواقعية التي تعرفها المنطقة . فالهجوم على تدوينة ذات طابع وجداني يكشف حجم القلق الذي يعتري الأطروحة الانفصالية كلما برزت أصوات موريتانية تعبّر بشكل صريح عن تقاربها مع المغرب أو تعيد النظر في سرديات الصراع القديمة .
ومن زاوية أعمق ، يمكن قراءة هذه التدوينة باعتبارها مؤشرا على هشاشة مفهوم “ الحياد الموريتاني ” في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة . فموريتانيا ، بحكم موقعها الجغرافي وتشابك مصالحها الاقتصادية والأمنية مع المغرب ، تجد نفسها أمام واقع جديد تصبح فيه البراغماتية السياسية مرتبطة أكثر بمنطق الاستقرار الإقليمي والتنمية المشتركة ، بدل الاستمرار في التوازنات التقليدية التي حكمت ملف الصحراء المغربية لعقود .
كما أن التوقيت الذي صدرت فيه التدوينة يكتسي أهمية خاصة ، بالنظر إلى الدينامية الدبلوماسية المتصاعدة بين الرباط ونواكشوط ، والتي تعززت بعد الاستقبال الذي خصّ به جلالة الملك محمد السادس نصره الله فخامة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني ، وما رافق ذلك من مؤشرات سياسية وإقليمية تعكس تقاربا متناميا بين البلدين ، في مقابل تراجع النفوذ الإقليمي للأطروحات الانفصالية .
أكيد أن أهمية تدوينة الوزيرة الناها هارون الشيخ سيديا لا تكمن فقط في مضمونها ، بل أيضا في جرأة الإفصاح العلني عن موقف إيجابي تجاه المملكة المغربية في سياق إقليمي حساس ، وهو ما يمنحها بعدا رمزيا يتجاوز شخصها إلى التعبير عن تحولات أوسع داخل جزء من النخبة والرأي العام الموريتاني ، التي بدأت تنظر إلى مستقبل المنطقة من زاوية التعاون والتكامل ، لا من زاوية الاصطفافات الإيديولوجية الموروثة عن مرحلة الحرب الباردة .
