في سياق التحولات التي يعرفها قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالمغرب، تبرز الزيارات الميدانية المفاجئة التي يقوم بها السيد الوزير سعد برادة إلى عدد من المؤسسات التعليمية ، سواء في إفران أو مكناس ، باعتبارها ممارسة تدبيرية ذات حمولة استراتيجية ، تعكس توجهًا نحو إعادة توجيه آليات التقييم من الشكل إلى الجوهر ، ومن الانطباع الظرفي إلى التشخيص الواقعي .
فالزيارات المعلنة ، رغم أهميتها التواصلية ، غالبا ما تتيح هامشا واسعا لإعادة ترتيب الواجهات وتقديم صورة مُحسّنة عن الواقع ، حيث يتم الاستعداد المسبق لها عبر تعبئة استثنائية للموارد وتنظيم الفضاءات بشكل لا يعكس بالضرورة الوضعية اليومية للمؤسسة . في المقابل ، تمنح الزيارات المفاجئة إمكانية الولوج إلى “الحقيقة التربوية” كما هي ، دون وسائط تجميلية، بما يسمح برصد أدق لمستوى التعلمات ، ونسبة الهدر المدرسي ، وطبيعة التفاعل داخل الفصول الدراسية ، و الانخراط في أنشطة الحياة المدرسية ،فضلا عن جودة وحكامة التدبير الإداري ، وظروف الاشتغال الفعلية للأطر التربوية ، و مدى مشاركتها في تنزيل وتفعيل المشاريع التربوية.
ومن هذا المنطلق ، تشكل هذه الزيارات أداة فعالة لإعادة بناء مصداقية التقييم داخل المنظومة التربوية ، إذ تضع الفاعلين أمام واقعهم اليومي ، وتحد من الفجوة القائمة بين التقارير الرسمية والواقع المعيش . كما أنها تسهم في تقويض منطق “التدبير بالمناسبات” الذي يطغى أحيانا على الأداء المؤسساتي ، وتعوضه بمنطق الاستمرارية والانخراط الدائم لتحقيق رهان تجويد المنظومة التربوية .
كما أن اعتماد عنصر المباغتة يعزز من فعالية مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ، ليس من زاوية الزجر ، بل من خلال ترسيخ ثقافة مهنية قائمة على الجاهزية الدائمة والالتزام المستمر بالمعايير التربوية . فالفاعلون، في ظل هذا النمط من التتبع ، يصبحون مدعوين إلى الحفاظ على مستوى معين من الجودة بشكل يومي ، بدل الارتباط بإيقاع زيارات دورية معلومة سلفا .
وتكتسي هذه المقاربة التي ينهجها السيد الوزير برادة أهمية خاصة في سياق تنزيل مشاريع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ، حيث يتطلب نجاح الإصلاحات توفر آليات دقيقة لقياس الأثر الحقيقي على أرض الواقع . فالزيارات المفاجئة تتيح التقاط مؤشرات نوعية حول مدى تفعيل البرامج ، وحجم التحديات التي تعترضها ، وهو ما يمكن صانع القرار من اتخاذ إجراءات تصحيحية مبنية على معطيات ملموسة .
وفي الآن ذاته ، لا ينبغي اختزال هذه الزيارات في بعدها الرقابي ، بل يتعين فهمها كأداة للتقويم والدعم في آن واحد ، إذ تفتح المجال أمام تواصل مباشر مع الأطر التربوية والإدارية ، وتتيح الإنصات لانشغالاتهم واقتراحاتهم ، بما يعزز الإحساس بالإنصاف المؤسسي ويقوي جسور الثقة بين المركز والميدان .
غير أن الرهان الحقيقي يظل مرتبطًا بمدى قدرة هذه الزيارات على إنتاج أثر فعلي يتجاوز لحظة المعاينة ، نحو تفعيل آليات المتابعة واتخاذ القرارات التصحيحية اللازمة ، حتى لا تتحول إلى مجرد حدث رمزي . فنجاعتها تقتضي إدماجها ضمن منظومة مؤسساتية للتقييم المستمر ، مدعومة بإمكانيات بشرية ولوجستية كافية .
أكيد أن الزيارات المفاجئة للسيد سعد برادة وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة تمثل تحولا نوعيا في فلسفة تدبير الشأن التربوي ، إذ تعيد الاعتبار للواقع اليومي للمؤسسة التعليمية كمحدد أساسي لصياغة القرار العمومي ، وتؤسس لثقافة جديدة قوامها الصدق في التشخيص ، والاستمرارية في الأداء ، والربط الفعلي بين المسؤولية والمحاسبة ، وهو ما يجعلها مدخلا واعدا لتعزيز جودة التعليم واستعادة الثقة في المدرسة العمومية .




