النخب المكناسية : من موقع ” الملاحظ الناقد” إلى أهمية التحول إلى “شريك في هندسة التنمية الترابية.”

عبد اللطيف نبيه31 مارس 2026آخر تحديث :
النخب المكناسية : من موقع ” الملاحظ الناقد” إلى أهمية التحول إلى “شريك في هندسة التنمية الترابية.”

في سياق التحولات الحضرية المتسارعة التي تشهدها مدن المملكة المغربية ، أضحت إشكالية الحكامة الترابية في صلب النقاش العمومي ، باعتبارها مدخلا استراتيجيًا لإعادة هيكلة العلاقة بين الفاعل السياسي المحلي والرأسمال المعرفي . ومن هذا المنطلق ، تبرز الحاجة إلى الانتقال من نمط تدبيري تقليدي قائم على المقاربة التقنية الصرفة ، إلى نموذج مندمج يستند إلى الذكاء الترابي ، بوصفه آلية لتعبئة الموارد اللامادية ، وعلى رأسها الخبرة الأكاديمية والفكرية .

وفي هذا الإطار ، تكتسي دعوة المفكرين والأكاديميين بمدينة مكناس للانخراط في دعم مشروع التنمية الحضرية الذي تقوده جماعة مكناس دلالة بنيوية تتجاوز بعدها الظرفي ، لتؤشر على تحول في أنماط إنتاج القرار المحلي . إذ لم يعد مقبولا أن تظل النخب حبيسة موقع “الملاحظ الناقد” خارج دوائر الفعل ، في حين تفرض رهانات التنمية المجالية ضرورة اندماجها في سيرورات التخطيط ، من خلال تقديم بدائل عملية ومقترحات مؤطرة علميًا ، قابلة للتنزيل ضمن السياسات العمومية الترابية .

وإن الرقي بالفعل الجماعي الحضري يظل رهينا بمدى قدرة الفاعلين المحليين على تفعيل مبادئ الحكامة التشاركية ، القائمة على الانفتاح المؤسساتي ، وربط المسؤولية بالمحاسبة ، وتكريس مبدأ الالتقائية بين مختلف المتدخلين .

وفي هذا السياق ، يشكل انفتاح السيد العباس الومغاري رئيس المجلس الجماعي لمكناس على المبادرات الأكاديمية و الفكرية تجسيدا عمليا لهذا التحول ، حيث يتم إعادة تموقع المؤسسة المنتخبة كمنصة لتقاطع الخبرات ، بدل كونها فضاء مغلقا لإنتاج القرار .

ومن زاوية الهندسة المجالية ، فإن إدماج النخب الأكاديمية والفكرية في دينامية التدبير المحلي يتيح إمكانية تطوير مقاربات تخطيطية أكثر نجاعة ، قائمة على التشخيص العلمي الدقيق ، واستشراف التحولات المجالية ، وتثمين الخصوصيات الترابية للمدينة . وهو ما من شأنه أن يعزز من جودة السياسات العمومية ، ويضمن قدرا أعلى من الفعالية والنجاعة في تدبير الموارد .

وعليه ، فإن القيمة المضافة المنتظرة من النخب المكناسية لا تكمن في إعادة إنتاج خطاب نقدي مواز ، قد يظل حبيس التنظير ، بل في قدرتها على التحول إلى قوة اقتراحية منظمة ، تسهم في إنتاج المعرفة التطبيقية ، عبر إعداد مذكرات استراتيجية ، ودراسات تقييمية ، ومشاريع مهيكلة قابلة للإدماج ضمن برامج عمل الجماعة . فالتنمية الترابية لم تعد شأنا تدبيريا صرفا ، بل أصبحت سيرورة مركبة تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ، بما يفرض تعبئة شاملة لمختلف الفاعلين .

أكيد أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في إرساء تعاقد جديد بين المؤسسة المنتخبة والنخب الفكرية ، قوامه الانتقال من منطق التموقع الخارجي إلى منطق الشراكة الفاعلة . وهو ما يقتضي من الأكاديميين تجاوز أدوارهم التقليدية ، والانخراط في هندسة الحلول ، عبر توظيف أدوات التحليل العلمي ، ومقاربات التخطيط الاستراتيجي ، في خدمة المشروع الحضري للمدينة .

في هذا الأفق ، تصبح مكناس برآسة العباس الومغاري أمام فرصة لإرساء نموذج متقدم في الحكامة الترابية ، قائم على الذكاء الجماعي ، والتدبير التشاركي ، والتكامل بين المعرفة والقرار . وهي لحظة مفصلية ، بقدر ما تتيح للمؤسسة المنتخبة توسيع دائرة الفعل ، بقدر ما تختبر أيضا مدى استعداد النخب للاضطلاع بدورها التاريخي ، كفاعل محوري في بناء تنمية محلية مستدامة ومندمجة.

الاخبار العاجلة
error: تحذير