بقلم // أبو مروان
تعد معركة واد بوفكران، التي اندلعت يوم 2 شتنبر 1937 بمدينة مكناس، إحدى المحطات البارزة في تاريخ المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي. فهي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل شكلت لحظة فارقة في الوعي الوطني الجماعي، إذ تحولت إلى تعبير صريح عن رفض المغاربة لسياسات الاستعمار الرامية إلى الاستحواذ على الأرض والماء وإخضاع الإنسان. وكان السبب المباشر لهذه المواجهة إقدام سلطات الاحتلال على تحويل مياه بوفكران لفائدة الضيعات الاستعمارية، وهو قرار مسَّ بشكل مباشر مصدرا حياتيا أساسيا للساكنة المحلية، فكان الشرارة التي أطلقت انتفاضة شعبية سرعان ما اتخذت شكل معركة شرسة.
لقد وقعت هذه الأحداث في سياق سياسي واجتماعي محتقن، تميز بتنامي حركات المقاومة وتزايد الوعي الوطني في مختلف ربوع المغرب. وقد برهنت معركة واد بوفكران، رغم محدودية الوسائل، على قدرة المقاومين على تنظيم صفوفهم وتوحيد كلمتهم في مواجهة قوة استعمارية متفوقة عسكريًا. أما رسالتها الرمزية فكانت أبعد أثرا من نتائجها الميدانية، إذ أكدت للمستعمر أن الشعب المغربي لا يقبل الإذلال، ولن يتنازل عن حقه في الحرية والسيادة مهما كانت كلفة التضحيات.
وتجلت الأبعاد الرمزية لهذه المعركة في مستويات عدة. فقد عكست أولا وحدة المجتمع المغربي بمختلف فئاته، حيث التحم الفلاحون والعمال والشباب والشيوخ في صف واحد دفاعًا عن الأرض والماء، أي عن مقومات الوجود ذاته. كما أبرزت قوة الإرادة الوطنية في مواجهة التفوق المادي للمستعمر، لتؤكد أن النضال من أجل الحرية يرتكز على الاستعداد للتضحية أكثر مما يقوم على ميزان القوى. ثم تحولت إلى ذاكرة جماعية تناقلتها الأجيال بما تحمله من دروس في الشجاعة والفداء. وقد وصفها جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، بأنها محطة تاريخية أثبت فيها الشعب المغربي وحدته وإصراره على انتزاع استقلاله مهما غلت التضحيات.
وفي سبيل صون هذا الإرث، تتولى المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير دورا محوريا في تخليد ذكرى المعركة وترسيخ معانيها. فهي تجمع الشهادات والوثائق، وتنظم سنويا ندوات فكرية واحتفالات وزيارات إلى موقع الحدث، بما يضمن حضوره في الذاكرة الوطنية. كما تعمل على غرس قيم المواطنة والتضحية في نفوس الأجيال الصاعدة عبر أنشطة تربوية وتوعوية، وتولي في الوقت نفسه عناية خاصة بقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير تكريمًا لعطائهم وتقديرًا لتضحياتهم.
إن ذكرى معركة واد بوفكران تمثل لحظة تأمل في تاريخ وطني زاخر بالتضحيات، ومناسبة للتذكير بأن الدفاع عن الأرض والماء والكرامة كان دائمًا في صميم الوعي المغربي. وهي أيضا دعوة إلى استلهام دروس الماضي في مواجهة تحديات الحاضر، والتأكيد على أن بناء المستقبل يمر عبر الوفاء للذاكرة الجماعية وترسيخ القيم التي صاغت مسار التحرر الوطني. وهكذا تظل معركة واد بوفكران أكثر من حدث تاريخي، إذ تبقى رمزا خالدا لإرادة أمة وصمودها في سبيل الحرية والاستقلال، وصيانة وحدتها الترابية في تلاحم وثيق بين العرش العلوي المجاهد و رعاياه الأوفياء من طنجة إلى لكويرة .




