في جلسة المساءلة الشهرية بمجلس النواب المنعقدة يوم الاثنين 15 دجنبر الجاري، وجّه محمد أوزين انتقادات قوية لسياسة الحكومة في تدبير ملف دعم المقاولات، خاصة في شقها المتعلق بالمقاولات الإعلامية والمقاولات الصغرى جدا، معتبرا أن الخطاب الرسمي حول تشجيع هذه الفئة من المقاولات يتناقض مع واقع توزيع الدعم العمومي ومناخ الأعمال السائد.
وانتقل أوزين، في المحور الثاني من مداخلته، إلى مساءلة منطق الدعم العمومي الموجه لقطاع الإعلام، معتبرا أن جزءا كبيرا منه يستفيد منه ما وصفها بـ“مقاولات إعلامية عملاقة”، تحولت إلى مراكز استنزاف للمال العام دون أثر إيجابي ملموس على الخدمة العمومية أو أخلاقيات المهنة. وأكد أن أرباب هذه المقاولات راكموا ثروات طائلة من أموال دافعي الضرائب، في وقت لم يسهم فيه هذا الدعم في الارتقاء بالمشهد الإعلامي، بل أنتج، حسب تعبيره، محتويات تقوم على التفاهة والتشهير وتقويض القيم المغربية.
وشدد أوزين على أن أي دعم عمومي ينبغي أن يكون مشروطا بخدمة الصالح العام واحترام أخلاقيات المهنة، رافضا ما اعتبره استغلالا للمال العام في الترويج لمضامين بذيئة واستدراج القاصرين، تحت غطاء حرية الإعلام. وأوضح أن الدفاع عن الحريات لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لضرب القيم المجتمعية أو تشويه وظيفة الصحافة، معتبرا أن عددا من المنابر خرجت عن دورها المهني وتحولت إلى فضاءات للابتزاز والإثارة الرخيصة.
وفي السياق ذاته، انتقد أوزين ما سماه الهجوم الممنهج على الصحافة الجادة، مؤكدا أن بعض المقاولات الإعلامية أصبحت أدوات ضغط وابتزاز، خاصة عند مناقشة مشاريع القوانين أو الدفاع عن مصالح مهنية، معتبرا أن “أكبر مظاهر الفساد المتعفن” توجد داخل كيانات لا علاقة لها بالإعلام سوى الاسم، وتمارس، بحسب وصفه، انتحال الصفات والتشويش على العمل الصحفي الجاد.
وربط أوزين بين هذا الاختلال وبين فشل الحكومة في ملف التشغيل، معتبرا أن أزمة الشغل هي انعكاس مباشر لفشل السياسات العمومية في خلق مناخ سليم للمقاولة، خصوصا المقاولات الصغرى جدا التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني. وأكد أن الحديث عن فرص الشغل يبقى بلا معنى في ظل نزيف إغلاق الوحدات الإنتاجية، مشيرا إلى أن أكثر من 40 ألف وحدة إنتاجية تغلق سنويا، وهو ما يعني، حسب تقديره، ضياع عشرات الآلاف من مناصب الشغل كل سنة.
وأوضح أوزين أن 88 في المائة من الشركات المغربية لا يتجاوز عدد العاملين فيها ثلاثة أشخاص، ومع ذلك تواجه تعقيدات إدارية ومساطر طويلة تجعل من المقاول الصغير “مشروعا للإفلاس المؤجل”. وأضاف بنبرة نقدية حادة أن تأسيس مقاولة صغيرة في المغرب يتطلب شجاعة استثنائية وصبرا طويلا لمواجهة الإدارة، معتبرا أن مناخ الأعمال الحالي لا يشجع على المبادرة ولا على الاستثمار، بل يدفع إلى الإحباط والتوقف.
كما انتقد منطق الصفقات العمومية، معتبرا أن دفاتر التحملات تُفصّل في كثير من الأحيان على مقاس فاعلين محددين، وأن القرب من مراكز القرار أصبح، في نظره، الطريق الأسهل للنجاح بدل الابتكار والكفاءة وجودة الخدمة. واستحضر في هذا الإطار نماذج دولية نجحت في تقليص الفساد ودعم المقاولات الصغرى عبر الرقمنة والشفافية وتبسيط المساطر، مؤكدا أن التجربة المغربية ما تزال بعيدة عن هذه المعايير.
وخلص أوزين إلى أن إصلاح قطاع الإعلام والنهوض بالمقاولات الصغرى جدا يظلان مدخلين أساسيين لمعالجة أزمة الشغل واستعادة الثقة في السياسات العمومية، داعيا إلى مراجعة شاملة لمنطق الدعم العمومي، وربطه بالمحاسبة والنجاعة وخدمة المصلحة العامة.




