في سياق التحولات العميقة التي يشهدها النظام التربوي المغربي ، تبرز الإجراءات الجديدة التي أعلنت عنها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة كعلامة فارقة في مسار إعادة بناء الثقة في الامتحانات الإشهادية ، ليس فقط باعتبارها آلية للتقويم ، بل كفضاء لإنتاج المعنى التربوي وترسيخ مبدأ الاستحقاق . غير أن القراءة المتأنية لهذه التدابير تكشف أن الأمر يتجاوز مجرد تشديد تقني أو أمني ، ليؤسس لتحول بنيوي في تمثل الدولة لوظيفة الامتحان داخل المنظومة التعليمية .
فالغش ، في هذا المنظور ، لم يعد يُختزل في كونه سلوكا فرديا منحرفا ، بل أصبح يُقارب كظاهرة نسقية تعكس اختلالات عميقة في العلاقة بين المتعلم والمعرفة ، وبين المؤسسة التعليمية ووظيفتها الاجتماعية . من هنا ، تبدو المقاربة الجديدة محاولة لإعادة ضبط هذه العلاقة عبر مزيج من الأدوات التكنولوجية الصارمة والإجراءات التربوية المواكِبة ، بما يعكس وعيا متزايدا بأن الردع وحده ، مهما بلغ من الدقة ، يظل عاجزا عن معالجة جذور الظاهرة .
إن اعتماد نظام إلكتروني لرصد وسائل الغش ، إلى جانب إحداث خطوط تبليغ فوري ، يمثل انتقالا نحو نمط من “الحكامة الرقمية” التي تسعى إلى تقليص هامش المناورة داخل فضاءات الامتحان . غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في فعالية هذه الأدوات بقدر ما يكمن في قدرتها على إعادة تشكيل السلوك الجماعي للفاعلين التربويين ، خاصة في ظل ما يمكن تسميته بثقافة “التطبيع مع الغش” التي تسللت ، في مراحل سابقة ، إلى بعض الممارسات اليومية داخل المؤسسات التعليمية .
و في المقابل ، تكتسي الإجراءات ذات الطابع التربوي أهمية مضاعفة ، إذ تعكس إدراكا ضمنيا بأن الغش هو ، في جانب منه ، تعبير عن تعثرات تراكمية في المسار الدراسي للمتعلمين . فتعزيز زمن التعلم ، وتكثيف حصص الدعم ، وتوفير التأطير النفسي والتربوي ، كلها تدخل ضمن منطق استباقي يسعى إلى تجفيف منابع الظاهرة بدل الاكتفاء بملاحقة تجلياتها . وهو توجه ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين 2022-2026 ، التي تراهن على إعادة بناء الثقة في المدرسة العمومية باعتبارها فضاءأساسه الإنصاف وتكافؤ الفرص .
غير أن ما يضفي على هذه الإجراءات طابعها “المغامر” هو محاولة الجمع بين الصرامة التنظيمية والانفتاح التواصلي في الآن ذاته . فإشراك جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، وإطلاق حملات تحسيسية ، وتعبئة وسائل الإعلام ، كلها مؤشرات على انتقال الخطاب الرسمي من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة ، حيث يصبح المجتمع بأكمله معنيا بحماية نزاهة الامتحانات الإشهادية . إلا أن هذا الرهان يظل محفوفا بتحديات حقيقية ، في مقدمتها مدى قابلية الفاعلين للانخراط الفعلي ، وليس الشكلي ، في هذه الدينامية .
وعلى مستوى تنظيم مراكز الامتحان ، تكشف التدابير الجديدة عن نزوع واضح نحو عقلنة “الفضاء الامتحاني” ، سواء من خلال تقليص عدد المترشحين داخل القاعات ، أو اعتماد الحراسة الخارجية ، أو تعميم الترقيم السري في التصحيح . وهي إجراءات تهدف إلى إعادة الاعتبار لمبدأ الحياد المؤسساتي . غير أن فعاليتها تظل رهينة بمدى صرامة التنفيذ ، وبقدرة أجهزة المراقبة ، على فرض الانضباط داخل مختلف مراحل العملية الامتحانية.
أكيد أن هذه الحزمة من الإجراءات تعكس في العمق محاولة لإعادة تعريف الامتحان كـ”محطة حقيقة” داخل المسار التعليمي ، لا كاختبار تقني فحسب ، بل كآلية لإنتاج العدالة التربوية . غير أن نجاح هذا الورش يظل مشروطا بمدى قدرته على إحداث تحول ثقافي و قيمي عميق ، يقطع مع منطق التحايل ويؤسس لقيم الجدارة والاستحقاق . فالمعركة ضد الغش ليست معركة تقنية تُحسم بالأجهزة ، بل هي رهان مجتمعي يتطلب إعادة بناء منظومة القيم التي تؤطر علاقة المتعلم بالمعرفة وبذاته.
فهل يشكل الانتقال من التخليق إلى الرقمنة مدخلا حقيقيا لإعادة تأسيس منظومة التقويم التربوي ، أم أننا بصدد إعادة إنتاج المقاربة ذاتها بأدوات أكثر تطورا ؟ وهل تستطيع التكنولوجيا ، مهما بلغت نجاعتها ، أن تعوض غياب الوعي القيمي داخل الفضاء المدرسي؟ ثم إلى أي حد يمكن لهذا التزاوج بين الصرامة الرقمية والتأطير التربوي أن يعيد للامتحان الإشهادي وظيفته كآلية للإنصاف وتكافؤ الفرص؟ وأخيراً ، هل نحن أمام إصلاح بنيوي عميق ، أم مجرد لحظة عابرة ستظل رهينة بمدى ترسخ ثقافة النزاهة داخل المدرسة المغربية ؟




