وزارة الداخلية تُغلق قنوات الإحسان الانتخابي وتعلن تشديد المراقبة على استغلال الفقر سياسيًا

عبد اللطيف نبيه23 يناير 2026آخر تحديث :
وزارة الداخلية تُغلق قنوات الإحسان الانتخابي وتعلن تشديد المراقبة على استغلال الفقر سياسيًا

شرعت وزارة الداخلية، خلال الأيام الأخيرة، في تفعيل مقاربة أكثر صرامة في التعاطي مع أنشطة العمل الخيري الموسمي، خاصة تلك المرتبطة بتوزيع المساعدات الغذائية خلال شهر رمضان، وذلك في سياق احترازي يهدف إلى قطع الطريق أمام أي توظيف سياسي محتمل للعمل الإحساني أو استغلال أوضاع الهشاشة الاجتماعية لأغراض انتخابية مبكرة.
ويأتي هذا التحرك في ظل تصاعد مؤشرات ميدانية حول محاولات متجددة لاستثمار المساعدات الرمضانية في بناء رصيد انتخابي غير معلن، في سياق سياسي ما يزال متأثرًا بتداعيات الاستحقاقات الانتخابية السابقة، وما رافقها من نقاش واسع حول توظيف الفقر والهشاشة في التنافس السياسي، خاصة داخل الأوساط القروية وضواحي المدن الكبرى.

وتُعيد هذه التطورات إلى الواجهة ذاكرة سياسية لم تُطوَ بعد، حيث تحولت “قفف رمضان” خلال محطات انتخابية سابقة إلى موضوع جدل وطني، بعد توجيه اتهامات لفاعلين باستغلال العمل الإحساني كوسيلة ناعمة للتأثير على السلوك الانتخابي، وهو ما طرح بقوة إشكالية الفصل بين التضامن الاجتماعي المشروع والحسابات السياسية الضيقة.

وفي هذا السياق، أفادت معطيات متطابقة بأن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت وجّه تعليمات مباشرة إلى الولاة والعمال تدعو إلى التتبع الصارم والدقيق لكل المبادرات المرتبطة بتوزيع المساعدات الغذائية، مع التشديد على مراقبة مصادر التمويل، وكيفية إعداد لوائح المستفيدين، وهوية الجهات المشرفة فعليًا على عمليات التوزيع، تفاديًا لأي خلط بين العمل الجمعوي والعمل الحزبي.

وتندرج هذه التوجيهات ضمن مقاربة وقائية تهدف إلى حماية مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، ومنع أي ربط مباشر أو غير مباشر بين المساعدة الاجتماعية ورسائل انتخابية، سواء كانت صريحة أو ضمنية.

وبحسب معطيات متداولة، فإن هذا التشديد جاء أيضًا على خلفية شكايات تم تداولها داخل دوائر القرار، تطرقت إلى تجاوزات منسوبة لبعض الجمعيات التي تنشط في تقاطع ملتبس مع الفعل الحزبي، وتستثمر اللحظة الدينية وما تحمله من رمزية تضامنية لبناء ولاءات سياسية غير معلنة، أو لإرسال إشارات انتخابية مبكرة.

وفي السياق نفسه، دخلت السلطات الترابية في حالة يقظة ميدانية، بعد توجيه تعليمات إلى القياد والباشوات والمقدمين والشيوخ لمراقبة عمليات توزيع المساعدات بشكل لصيق، مع التدخل الفوري في كل حالة يُشتبه في خروجها عن أهدافها التضامنية أو مساسها بالنظام العام، سواء عبر الإيقاف المؤقت للأنشطة أو المنع الكلي عند الاقتضاء.

وتعيد هذه الإجراءات أيضًا النقاش حول التمويل العمومي المخصص للجمعيات، حيث تشير معطيات رسمية إلى أن وزارة الداخلية ترصد سنويًا اعتمادات مالية مهمة لدعم المجتمع المدني، تخضع لمراقبة إدارية ولفتحاص المجلس الأعلى للحسابات. غير أن متابعين يعتبرون أن الإشكال لا يقتصر على المساطر المالية، بل يمتد إلى الأثر السياسي لبعض الأنشطة ميدانيًا، حين تتحول المساعدة الاجتماعية إلى رأسمال انتخابي غير مصرح به.

وكان وزير الداخلية قد شدد، في ردود سابقة على أسئلة برلمانية، على أن الإطار القانوني الجاري به العمل يمنع بشكل صريح توظيف المساعدات الخيرية خلال المناسبات الدينية لأغراض انتخابية، مؤكدًا أن المشرّع سعى إلى الفصل الواضح بين العمل التضامني والتنافس السياسي، مع منح السلطات الترابية صلاحيات واسعة للتدخل كلما ثبت خرق القانون أو تهديد نزاهة العملية الانتخابية.

وبين من يرى في تشديد المراقبة خطوة ضرورية لحماية نزاهة الاستحقاقات المقبلة، ومن يعتبرها محاولة لإعادة ضبط مجال ظل لسنوات منطقة رمادية بين الإحسان والسياسة، يبدو أن وزارة الداخلية تتجه نحو وضع حد لما يوصف بـ“الانتخابات الصامتة”، التي تبدأ من بوابات العمل الجمعوي وتنتهي عند صناديق الاقتراع.

الاخبار العاجلة
error: تحذير