بقلم // ابو مروان
تجسد الذكرى السابعة والعشرون لوفاة جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه لحظة متجددة لاستحضار مسيرة قائد استثنائي طبع تاريخ المغرب الحديث، وترك بصمات ترسخت في وجدان الأمة ومسارها الحضاري.
لقد كان الحسن الثاني ملكا بعبقرية سياسية نادرة، جمع بين حنكة رجل الدولة وصلابة المدافع عن وحدة الوطن، ورؤية الإصلاحي الذي آمن ببناء مؤسسات حديثة قادرة على مواجهة تحديات الداخل والخارج.
فمنذ توليه العرش سنة 1961، عمل جلالته على تثبيت دعائم الدولة المغربية الحديثة، وصون استقرارها في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة والعالم. فبالرغم من الظروف الصعبة التي واجهها، استطاع أن يحافظ على وحدة البلاد وأن يقودها بخطى ثابتة نحو بناء مؤسسات دستورية وقانونية شكلت الأساس الذي تبنى عليه التجربة الديمقراطية المغربية. كما أن حكمته ورؤيته الاستراتيجية جعلتا المغرب بلدا يحظى بالاحترام على الصعيد الدولي، من خلال دبلوماسية نشطة اتسمت بالاتزان والقدرة على تقريب وجهات النظر في محيطه العربي والإفريقي والدولي..
لقد كان الملك الحسن الثاني رحمه الله مهندسا للتنمية بمفهومها الشامل، حيث أطلق مشاريع كبرى في مجال البنية التحتية، وعلى رأسها سياسة بناء السدود التي حولت المغرب إلى بلد رائد في الأمن المائي والزراعي، كما شيد معالم عمرانية وحضارية خالدة ترمز إلى عمق الانتماء الديني والحضاري للمغاربة. وفي المجال الاجتماعي، رسخ سياسات هدفت إلى تجويد التعليم و توسيع قاعدة المتمدرسين ، مؤمنا بأن بناء الإنسان هو الأساس لكل نهضة تنموية.
ولم يكن الملك الراحل مجرد قائد سياسي، بل كان رمزا للوطنية المتجذرة في قلوب المغاربة. فقد حمل قضية الصحراء المغربية كقضية وجودية، وجعل منها أولوية وطنية فوق كل اعتبار، فقاد المسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975 التي جسدت عبقرية في التعبئة السلمية واسترجاع الأقاليم الجنوبية في أبهى صور التلاحم بين الملك وشعبه. لقد شكلت تلك اللحظة حدثاً فارقاً أكد للعالم أن إرادة الشعوب قادرة على تحقيق الانتصارات الكبرى بالوسائل السلمية والحضارية.
لقد كان الحسن الثاني رجل فكر وثقافة، جمع بين العمق الفقهي والفكري والرؤية الاستراتيجية، مما جعل خطبه السامية ومؤلفاته مرجعا في فهم قضايا الدين والسياسة والحضارة. وقد جسد في شخصه صورة القائد الذي يحافظ على الأصالة وفي الوقت نفسه ينفتح على معطيات العصر بروح إصلاحية متجددة.
إن إحياء الذكرى السابعة والعشرين لوفاة جلالة الملك الحسن الثاني أكرم الله مثواه هو في عمقه وفاء لرجل عظيم خدم وطنه بإخلاص، وترك للأجيال إرث غنيا من الدروس والعبر. فهو ملك بنى مغربا قويا، وأسس لمسار مؤسساتي متين، وأثبت أن القيادة الحكيمة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والمحن إلى منطلقات لبناء مستقبل أكثر إشراقا.
وبينما يواصل المغرب مسيرته التنموية في عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، فإن استحضار ذكرى الملك الراحل الحسن الثاني يظل مناسبة لتجديد العهد مع قيم الوطنية الصادقة، والاعتزاز بالانتماء إلى وطن صاغه ملوك عظام بتضحياتهم وحكمتهم ورؤيتهم المتبصرة. فرحم الله الملك الحسن الثاني، وجزاه عن المغرب والمغاربة خير الجزاء، وألحقه بالصالحين المخلصين لوطنهم وأمتهم.
