
لم يعد حضور التاريخ في السينما مجرد استعادة لأحداث مضت، أو إعادة بناء لمراحل زمنية انتهت بانتهاء أصحابها، بل أصبح واحدا من أهم مجالات صناعة الذاكرة الجماعية وتشكيل صورة الشعوب والدول في الوعي العام. فالفيلم التاريخي لا يقدم الماضي كما وقع فقط، وإنما يعيد تفسيره وترتيبه وانتقاء شخصياته وأحداثه ورموزه، ثم يقدمه للجمهور وفق رؤية فنية وفكرية قد تؤثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الطريقة التي ينظر بها المتلقي إلى ذلك الماضي.
ومن هذا المنطلق، يطرح حضور تاريخ المغرب في بعض الإنتاجات السينمائية الأجنبية سؤالا يتجاوز البعد الفني ليصل إلى قضية أكثر عمقا، تتعلق بمن يمتلك حق رواية التاريخ، ومن يحدد زاوية النظر إليه، ومن يختار الشخصيات والأحداث التي تستحق أن تتحول إلى صورة سينمائية تصل إلى ملايين المشاهدين داخل المغرب وخارجه.
لا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، برفض أن يتناول مبدعون أجانب تاريخ المغرب، فالتاريخ الإنساني ملك للبحث والمعرفة، والتبادل الثقافي بين الشعوب جزء أصيل من تطور الفنون والسينما. كما ان التعاون السينمائي الدولي يمكن أن يفتح آفاقا مهمة أمام الإنتاج المغربي، ويمنح التاريخ الوطني حضورا في فضاءات ثقافية وجماهيرية واسعة. غير ان الإشكال يبدأ عندما تصبح الصورة التي يقدمها الآخر عن تاريخ المغرب أكثر حضورا وانتشارا من الصورة التي يصوغها المغاربة عن تاريخهم بأنفسهم.
فالمبدع المغربي يمتلك، فضلا عن أدوات البحث والإبداع، علاقة خاصة بالمجال التاريخي والثقافي الذي يتناوله. إنه لا يتعامل مع المدن والوقائع والشخصيات باعتبارها مجرد عناصر في سيناريو، بل يتعامل معها ضمن ذاكرة وطنية ما زالت حاضرة في اللغة والعادات والعمران والوثائق والروايات العائلية والموروث الثقافي. وهذه العلاقة يمكن أن تمنح العمل الفني عمقا سياقيا يصعب اختزاله في مجرد البحث عن مشاهد تاريخية أو مواقع تصوير جذابة.
إن تاريخ المغرب، بما يحمله من تعدد في الحضارات والدول والسلالات والتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، يشكل مادة سينمائية غنية للغاية. فمن تاريخ الدول المغربية المتعاقبة، الى الحواضر التاريخية مثل فاس ومراكش ومكناس والرباط، مرورا بتاريخ الصحراء المغربية والعلاقات المغربية الافريقية والمتوسطية، ووصولا الى فترات المقاومة والحماية والاستقلال وبناء الدولة الحديثة، نجد أمام السينما المغربية خزانا هائلا من القصص والشخصيات والتحولات التي يمكن تحويلها الى أعمال ذات قيمة فنية وتاريخية كبيرة.
غير ان تحويل هذا الرصيد الى سينما يحتاج الى أكثر من الرغبة في الإنتاج. إنه يحتاج الى مشروع ثقافي متكامل يجعل من السينما وسيلة للبحث والتوثيق وإعادة تقديم التاريخ للأجيال الجديدة، مع الاستناد الى المؤرخين والباحثين والأرشيفات والوثائق والمصادر المتعددة. فالفيلم التاريخي الناجح لا يمكن أن يقوم على الخيال وحده، كما لا ينبغي أن يتحول التاريخ فيه الى مجرد خلفية درامية. المطلوب هو توازن دقيق بين الحقيقة التاريخية والخيال السينمائي، يسمح للمبدع بأن يبتكر دون أن يفقد الصلة بجوهر المرحلة التي يتناولها.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الثقافية والسينمائية في المغرب. فدعم الإنتاجات التي تتناول التاريخ الوطني ينبغي ألا ينظر إليه باعتباره مجرد تمويل لأفلام ترفيهية، بل باعتباره استثمارا في الذاكرة الوطنية وفي القوة الناعمة للمغرب. فالدول لا تحضر في العالم من خلال اقتصادها ودبلوماسيتها فقط، وإنما تحضر أيضا من خلال السينما والتلفزيون والأدب والفنون التي تصنع صورا ورموزا قابلة للانتقال عبر الحدود.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا ينتج الآخرون أفلاما عن تاريخ المغرب، وإنما لماذا لا تكون لدينا، بالقدر الكافي، القدرة الإنتاجية والمؤسساتية والفنية على إنتاج أعمال كبرى تقدم هذا التاريخ من داخل المجتمع المغربي، وبمشاركة كتاب سيناريو ومخرجين وممثلين وباحثين مغاربة، مع إمكانية الانفتاح على الخبرات الأجنبية عندما تكون الحاجة الفنية أو التقنية تقتضي ذلك.
إن صناعة فيلم عن شخصية تاريخية مغربية لا ينبغي أن تكون مناسبة لاستحضار الماضي فقط، بل فرصة لإعادة تقديم المغرب للعالم من خلال قصة مغربية مكتوبة بعناية، ومبنية على البحث، ومصورة بوسائل فنية حديثة، وقادرة على مخاطبة الجمهور العالمي دون التفريط في خصوصيتها الوطنية.
كما ان المسألة ترتبط بالسيادة الثقافية بمعناها الواسع. فالسيادة لا تتجسد فقط في امتلاك القرار السياسي والاقتصادي، وإنما تشمل كذلك القدرة على إنتاج المعرفة والصورة والسردية. وعندما يتولى الآخر وحده تقديم مراحل من تاريخ بلد ما، فإنه يساهم في تشكيل الصورة الخارجية لذلك البلد، حتى لو لم يكن ذلك هو الهدف المباشر للعمل الفني. لذلك تصبح المشاركة المغربية في إنتاج الأفلام التي تتناول التاريخ الوطني مسألة ضرورية لضمان تعدد زوايا النظر وتنوع القراءات.
وفي المقابل، ينبغي للمبدعين المغاربة أنفسهم أن يتحملوا مسؤولية كبيرة في هذا المجال. فامتلاك التاريخ لا يكفي، والاقتراب من الحدث التاريخي لا يعفي من شروط الإبداع والبحث والاحتراف. المطلوب هو أعمال تتجاوز التمجيد السطحي للماضي، وتقدم شخصياتها وأحداثها ضمن سياقاتها السياسية والاجتماعية والإنسانية، وتسمح للمشاهد بفهم التاريخ بدل الاكتفاء بتجميله.
إن المغرب يتوفر على تاريخ قادر على إنتاج أفلام تنافس عالميا، لكن الرهان يكمن في الانتقال من مرحلة امتلاك التاريخ الى مرحلة صناعة الصورة التاريخية. وهذه النقلة تتطلب استراتيجيات إنتاج، وتكوينا متخصصا، وأرشيفا سينمائيا وتاريخيا متاحا، وشراكات بين السينمائيين والمؤرخين والجامعات والمؤسسات الثقافية، إضافة الى الاستثمار في التقنيات الحديثة ومواقع التصوير والمؤثرات البصرية.
أكيد أن الأمر لا يتعلق بإغلاق باب التاريخ المغربي أمام السينما الأجنبية، بل بفتح الباب على مصراعيه أمام السينما المغربية حتى تكون حاضرة بقوة في رواية تاريخها. فمن حق السينمائي الأجنبي أن ينظر الى المغرب من زاويته، لكن من حق المبدع المغربي، بل من مسؤوليته الثقافية، أن يقدم كذلك رؤيته الخاصة لتاريخ وطنه، مستندا الى البحث والوثيقة والخيال الفني.
فالتاريخ الذي لا نعيد إنتاجه بأدواتنا الفنية قد يظل حاضرا في الكتب، لكنه قد يغيب عن ذاكرة الأجيال الجديدة أو يصل إليها من خلال عيون الآخرين. ولذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم هو أن ينتقل المغرب من موقع الموضوع الذي يحضر في الأفلام التي يصنعها الآخرون، الى موقع الفاعل الذي يصنع أفلامه، ويكتب شخصياته، ويوثق ذاكرته، ويقدم للعالم قصته بلسان سينمائي مغربي قادر على الوصول الى الجمهور العالمي.
إن امتلاك السردية التاريخية لا يعني احتكارها، وإنما يعني امتلاك القدرة على المشاركة الفاعلة في صياغتها. وتلك، في نهاية المطاف، واحدة من أهم صور الحضور الثقافي للمغرب في عالم أصبحت فيه السينما إحدى اللغات الأكثر تأثيرا في صناعة الذاكرة والصورة والوعي.
و دون شك أن مصدر القلق لا يكمن في تناول السينما الأجنبية لتاريخ المغرب في حد ذاته، بل في احتمال أن يؤدي غياب الحضور المغربي الفاعل إلى تقديم هذا التاريخ من زاوية انتقائية أو خارج سياقه الكامل، بما قد يفضي إلى اختزال بعض الوقائع، أو تغيير دلالاتها، أو تقديم شخصيات وأحداث بصورة لا تنسجم مع المعطيات التاريخية الموثقة. ومع تكرار هذه الصور وانتشارها عالميا، قد تتحول المعالجة الفنية، بحكم تأثير السينما، إلى مرجع في تشكيل الذاكرة لدى فئات من الجمهور. لذلك فإن المسؤولية تقتضي أن يكون للمغاربة حضور أساسي في صناعة الأفلام التي تتناول تاريخهم، حتى تظل الحرية الفنية قائمة، وفي الوقت نفسه يحظى التاريخ المغربي بالبحث والتدقيق والسياق الذي يحفظ دقته ويمنع تشويهه أو تحريفه.
.
