لا خلاف على ان مساءلة المنتخبين وتقييم اداء المجالس المنتخبة حق اصيل للمواطن، بل ان ربط المسؤولية بالمحاسبة يشكل احد المبادئ الاساسية للحكامة الديمقراطية. غير ان المحاسبة العادلة لا يمكن ان تقوم على انتقاء جانب واحد من الصورة، وتتجاهل في المقابل ما تم اتخاذه من قرارات و مبادرات ، وما انجز من مشاريع تنموية ، وما بذل من جهود لمعالجة ملفات ظلت عالقة لسنوات.
ومن هذا المنظور، فان النقاش الدائر حول حصيلة مجلس جماعة مكناس ورئيسه السيد العباس الومغاري يحتاج الى الانتقال من منطق التراشق السياسي والاعلامي الى قراءة اكثر تركيبا، تضع المسؤولية في سياقها المؤسساتي، وتفصل بين النقد المرتبط بالاداء وبين التشكيك الذي يقوم على اجتزاء المعطيات، كما تميز بين ما انجز فعلا، وما يوجد في طور التنفيذ، وما يمثل التزامات او مشاريع مستقبلية.
فمكناس لا تحتاج الى خطاب يختزل حصيلة مؤسسة منتخبة بكاملها في مشروع يواجه بعض الإكراهات .
ما تحتاجه المدينة هو تقييم شامل يقوم على الوقائع والمعطيات، ويضع المشاريع في سياقها الزمني والمؤسساتي، ويراعي طبيعة الاختصاصات وحجم الاكراهات، ويقيس النتائج بما تركته فعليا على ارض الواقع.
وفي هذا السياق، يبرز ملف النقل الحضري باعتباره واحدا من اكثر الملفات دلالة على تعقيد تدبير الشان المحلي بمكناس. فقد واجه المجلس الجماعي وضعية متراكمة ارتبطت بتدهور مستوى الخدمة واضطراب المرفق وتزايد شكايات المواطنين، قبل الانتقال الى مرحلة اتخاذ قرار بانهاء التدبير السابق والبحث عن نموذج جديد للنقل الحضري.
وهنا تكمن احدى اهم النقاط التي ينبغي استحضارها في تقييم تجربة السيد العباس الومغاري. فالمجلس لم يكتف بادارة الازمة بالحلول الظرفية، بل دخل في مسار اعادة بناء منظومة النقل الحضري، مع اعتماد ترتيبات انتقالية لضمان استمرارية الخدمة بحلول مبتكرة تقوم أساسا على حل إشكال النقل الحضري بجلب حافلات بصفة مؤقتة مع الحرص على الترافع محليا و جهويا و مركزيا لتوفير اسطول اكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المدينة والمناطق المحيطة بها.
وقد وصلت بالفعل حافلات الى مكناس خلال شتنبر 2026، في انتظار الانتقال الى مرحلة جديدة تقوم على اسطول يتراوح بين 130 و150 حافلة، مع توجه نحو توسيع شبكة الخطوط لتشمل احياء ومناطق لم تكن تستفيد سابقا من الخدمة بالشكل الكافي. وهذا المعطى مهم لانه يكشف ان معالجة ازمة النقل لم تتوقف عند فسخ العقد السابق، بل انتقلت الى التفكير في اعادة بناء المرفق على اسس جديدة مع الحرص على توسيع التغطية، وتحسين جودة الخدمة، وضمان استدامتها.
و اختزال التجربة في ازمة النقل وحدها يمثل قراءة ناقصة. فالمنتخب الجماعي لا يقاس فقط بما يواجهه من اختلالات، بل ايضا بقدرته على مواجهة الملفات الصعبة واتخاذ القرارات التي تتطلب مسؤولية سياسية وتدبيرية، خصوصا عندما يتعلق الامر بمرفق عمومي استراتيجي يمس الحياة اليومية لمئات الالاف من المواطنين.
والحكم المنصف يقتضي تتبع المسار كاملا، لا اقتطاع لحظة واحدة منه وتقديمها باعتبارها صورة نهائية عن التجربة.ولا يقل اهمية عن ذلك ما شهدته مكناس من تحرك في عدد من الاوراش المرتبطة بالبنية التحتية والتهيئة الحضرية. فقد انطلقت ا مشاريع تستهدف تحسين المحاور الطرقية، وتسهيل حركة السير، وفك العزلة عن عدد من الاحياء، واعادة تأهيل مناطق ناقصة التجهيز.
ومن بين هذه الاوراش، تبرز مشاريع مرتبطة بالمحاور الكبرى، من بينها شارع محمد السادس وشارع السعديين والحزام الطويل، الى جانب تدخلات مرتبطة بالاحياء والمجالات التي تحتاج الى اعادة تاهيل وربط افضل بالشبكة الحضرية.
وهنا تظهر اهمية الحضور الميداني في تدبير الشان المحلي. فالسيد العباس الومغاري ، رئيس جماعة مكناس ، لا يكتفي بادارة الاجتماعات والمراسلات، بل هو حاضر في الميدان لتتبع الاوراش والوقوف على الاشكالات المرتبطة بالتنفيذ والتنسيق مع مختلف المتدخلين. وفي هذا الجانب، ارتبط اسم العباس الومغاري بتتبع كل الاوراش والمشاريع ميدانيا، وهو ما يعكس توجها نحو جعل التدبير الجماعي اكثر التصاقا بالواقع اليومي للمدينة.
وفي المجال الرياضي، يبرز مشروع الملعب الكبير لمكناس باعتباره احد الاوراش الاستراتيجية التي انتظرها الشارع الرياضي المكناسي لسنوات. والانتقال من مرحلة المطالبة بالمشروع الى مرحلة التعبئة المؤسساتية والتمويل والشراكة يمثل في حد ذاته تطورا مهما، خاصة وان انجاز المشاريع الكبرى لا يدخل في اختصاص الجماعة وحدها، بل يحتاج الى تضافر جهود الدولة والجهة والعمالة والجماعة والمؤسسات الرياضية وباقي الشركاء.
والامر نفسه ينطبق على البنيات الاقتصادية والمرافق الاساسية، بما فيها مشروع سوق الخضر والفواكه بالجملة، الذي يرتبط بتنظيم النشاط التجاري وتحسين ظروف ممارسة التجارة وتعزيز الموارد والامكانات الاقتصادية للمدينة.
كما ان الحرص على تأهيل الاحياء ناقصة التجهيز ليس مجرد شعار سياسي، بل يقاس بما تحقق على الارض من طرق وتطهير وانارة وربط وتجهيز ومرافق. وهنا ايضا فان الحصيلة الحقيقية تتشكل من مجموع التدخلات الصغيرة والكبيرة التي تؤثر في الحياة اليومية للسكان.
ومن الاخطاء المنهجية التي تقع فيها بعض القراءات انها تنظر الى المشاريع بشكل منفصل عن منظومة الاختصاصات. فجماعة مكناس ليست مؤسسة معزولة عن الدولة والجهة والعمالة والمؤسسات العمومية والشركاء الخواص. وهناك مشاريع تحتاج الى اعتمادات خارج ميزانية الجماعة، واخرى تحتاج الى اتفاقيات، واخرى تتطلب مساطر ادارية وتقنية وقانونية طويلة.
وبالتالي، فان الإكراهات المرتبطة بمشروع معين لا يعني بالضرورة ان رئيس الجماعة وحده يتحمل مسؤولية التاخر.والقراءة المهنية تقتضي تحديد المسؤوليات بحسب الاختصاصات والقرارات والاعتمادات ومراحل التنفيذ.
اما سياسيا، فان محاولة قراءة نتائج الانتخابات التشريعية باعتبارها استفتاء مباشرا على تجربة جماعة مكناس تظل بدورها قراءة تحتاج الى قدر من الحذر. فالانتخابات التشريعية لها طبيعتها الخاصة، وتدخل فيها عوامل متعددة، من بينها الانتماء الحزبي، وشخصية المرشح، والتنظيم، والبرنامج، والسياق الوطني، والحضور الميداني، وطبيعة المنافسة.
وقد اكدت النتائج الاخيرة استمرار الحضور الانتخابي القوي للسيد العباس الومغاري وحزب الاتحاد الدستوري في دائرة مكناس، بعد الحفاظ على المقعد البرلماني للحزب في منافسة قوية.
كما ان استعمال مفهوم “التصويت العقابي” يحتاج الى الحذر، لان النتيجة الانتخابية لا تكشف وحدها دوافع الناخبين. فقد يصوت المواطن انطلاقا من اعتبارات حزبية او محلية او شخصية او اجتماعية او مرتبطة بالبرنامج الانتخابي، وقد تتداخل هذه العوامل كلها في القرار الانتخابي.
ومن هنا، فان محاولة تحويل نتيجة انتخابية الى حكم شامل على شخص السيد العباس الومغاري او على حصيلة مجلس جماعة مكناس لا تساعد على فهم المشهد، بقدر ما تساهم في تبسيطه.
ان الحقيقة التي ينبغي وضعها في صلب النقاش هي ان العباس الومغاري لم يتول تدبير مدينة خالية من الملفات المتراكمة. بل وجد امامه مجموعة من الاكراهات المرتبطة بالنقل والطرق والاحياء والبنيات الرياضية والاقتصادية والمرافق العمومية، وهي ملفات يتطلب بعضها تدخل اكثر من مؤسسة.
والسؤال الموضوعي ليس هل اختفت جميع المشاكل في مكناس، لان الجواب الواقعي سيكون بالنفي، وانما السؤال هو: ماذا فعل المجلس لمعالجة هذه المشاكل؟ ما القرارات التي اتخذها؟ ما المشاريع التي حركها؟ ما الاتفاقيات التي ابرمها؟ ما الموارد التي عبأها؟ وما الذي تحقق فعلا للمواطن؟
وعندما تطرح الاسئلة بهذه الطريقة، تصبح صورة الحصيلة اكثر توازنا. فهناك ملفات ما زالت تحتاج الى تسريع، وهناك مشاريع لم تصل بعد الى نهايتها، وهناك خدمات تحتاج الى تجويد ، لكن هناك ايضا قرارات و اوراش واتفاقيات ومسارات جديدة لا يمكن محوها من الصورة.
وهنا تحديدا يظهر الفرق بين النقد الموضوعي وخطاب التشكيك. فالنقد الموضوعي يقول: هذا المشروع تاخر، وهذه الخدمة تحتاج الى تحسين، وهذه الوعود ينبغي ان تتحول الى نتائج. اما التشكيك فيقوم على تجاوز الوقائع او اجتزاء جزء منها ثم بناء حكم شامل عليها.
والمحاسبة الحقيقية لا تكون بمحو المنجزات. فكما يجب ان يقال للمسؤول لماذا تاخر هذا المشروع، يجب ايضا ان يقال له ما الذي نجح في تحريكه. وكما يجب مساءلته عن جودة الخدمات، ينبغي ايضا الاعتراف بالقرارات التي اتخذت لمعالجة وضعيات صعبة.
ومن هذه الزاوية، فان المجهود الذي يبذله اىسيد العباس الومغاري ينبغي ان يقاس ضمن سياق مؤسساتي كامل، لا من خلال صورة مجتزاة. فالرجل يواجه ملفات معقدة، ويتحرك بين اكراهات قانونية ومالية وتقنية، ويحتاج في عدد من المشاريع الى تعبئة شركاء متعددين، وهو ما يجعل العمل الجماعي والمؤسساتي عنصرا اساسيا في فهم الحصيلة.
كما ان الحضور الميداني في حد ذاته يكتسب اهمية في ادارة مدينة بحجم مكناس. فالمواطن لا يريد فقط مسؤولين يصدرون البلاغات، وانما يريد من يتابع الاوراش، ويستمع الى الشكايات، ويتابع المرافق، ويتواصل مع المؤسسات، ويبحث عن حلول عملية.
وفي هذا السياق، فان الرد الاقوى على الانتقادات لا ينبغي ان يكون بالمواجهة الكلامية، بل بتحويل العمل الميداني الى ارقام ونتائج ومشاريع مكتملة وخدمات افضل. فالسياسة المحلية لا تحسمها العناوين وحدها، وانما تحسمها قدرة المسؤول على ترك اثر ملموس في المدينة.
ان مكناس اليوم في حاجة الى نقاش عمومي مختلف، نقاش لا يقوم على سؤال “من مع الرئيس ومن ضده؟”، وانما على اسئلة اكثر عمقا: ماذا تحقق؟ ماذا تاخر؟ لماذا تاخر؟ من يتحمل مسؤولية كل مرحلة؟ ما الذي يدخل في اختصاص الجماعة؟ وما الذي يتطلب تدخل شركاء اخرين؟ وما النتائج التي يمكن للمواطن قياسها فعليا؟
وعلى هذا الاساس، فان تقييم تجربة العباس الومغاري ينبغي ان يقوم على الحصيلة الكاملة، وعلى المسار المؤسساتي، لا على الانطباعات، وعلى النتائج الميدانية، لا على العناوين الانتقائية.
فمكناس اكبر من الاشخاص والاحزاب، لكن ذلك لا يعني ان الاشخاص المنتخبين لا يتحملون مسؤولياتهم. بل يعني ان تقييمهم يجب ان يكون في مستوى حجم المسؤولية نفسها. ومن يتحمل تدبير مدينة تاريخية بحجم العاصمة الاسماعيلية ينبغي ان يحاسب على ما يدخل في اختصاصه، وان ينسب اليه ما قام به فعلا، وان تطرح امامه الاختلالات التي تحتاج الى معالجة، لكن من دون طمس ما تحقق.
وهذه هي العدالة في المحاسبة: ان ننتقد ما تاخر ، لكن لا نتجاهل ما انجز ؛ ان نسائل المسؤول عن الاختلال، لكن لا نحوله الى شماعة لكل مشاكل المدينة؛ ان نقيس الوعود بالنتائج، لكن ايضا ان نعترف بالقرارات التي فتحت الطريق امام نتائج لم تكن ممكنة في السابق.
لقد اثبتت مرحلة السيد الومغاري ان مكناس مدينة تتحرك نحو الأفضل ، وان عددا من الاوراش انتقل من مرحلة الانتظار الى مرحلة القرار والتنفيذ والتعبئة. وهذه الحقيقة لا تلغي وجود تحديات، لكنها تصحح الصورة التي تحاول بعض القراءات تقديمها .
أكيد أن اقوى رد على خطاب التشكيك ليس الدخول في سجال مفتوح مع اصحابه، بل وضع حصيلة العمل امام المواطنين بكل تفاصيلها: ما انجز، وما انطلق، وما تعثر، وما اسباب التعثر، وما الذي ينتظر استكماله.
ذلك ان التاريخ المحلي لا تكتبه الحملات العابرة ولا العناوين الانتقائية، بل تكتبه المشاريع التي ترى النور، والقرارات التي تتحول الى واقع، والخدمات التي تتحسن، والاوراش التي تغير وجه المدينة.
ومن هذا المنطلق، فان تجربة العباس الومغاري ينبغي ان تقرا باعتبارها تجربة تدبيرية ناجحة بكل المقاييس ،باعتبارها تجربة تحمل قرارات واوراشا وتحركات ميدانية نوعية تستحق من كل مكناسي أصيل الإشادة و التثمين . وبين النقد المشروع وخطاب التشكيك، تبقى الكلمة الاخيرة للوقائع، ولما ستتركه هذه الاوراش من اثر ملموس في حياة المكناسيات والمكناسيين.

