في مشهدٍ استثنائي طبع مساءً علميًا بكلية الحقوق بمكناس، قدّم الأستاذ الدكتور رشيد عثماني مداخلة إنسانية نادرة خلال مناقشة أطروحة دكتوراه، اختلط فيها عمق الفكر الأكاديمي بصفاء الحس الإنساني، وارتقى العلم إلى مقام الكرامة والأمل والتضحية.
الأطروحة التي ناقشها طالب لم تكن مجرد عمل بحثي، بل كانت مرآةً لحياةٍ شقّت طريقها وسط المعاناة. فخلف سطور البحث كانت تختبئ أمّ باعت دجاجة لتُتيح لابنها ركوب الحافلة نحو الكلية، وأستاذ مشرف لم يقتصر دوره على التوجيه الأكاديمي بل امتد إلى الدعم المادي والمعنوي في لحظات العوز.
في كلمته، اختصر الدكتور رشيد عثماني المشهد بجملة عميقة: “حين تُهزم الجغرافيا أمام الإرادة”، مسلطًا الضوء على المعاني الخفية التي تجسدت في الجلسة، حيث تحوّلت قاعة المناقشة إلى فضاء مكثف للصدق والاعتراف والامتنان، فذابت البروتوكولات الأكاديمية أمام حرارة المشاعر النبيلة.
لحظة إنسانية خالدة، تذكّرنا بأن الجامعة ليست جدرانًا ولا ألقابًا، بل حاضنة لأحلام البسطاء، ومنارة لمن يؤمنون بأن المعرفة تُنتزع من قسوة الحياة وتُبنى على صمت الكادحين.
في مايلي نص التدوينة.
“حين تُهزم الجغرافيا أمام الإرادة”
في مساءٍ مفعم بالدلالة، كانت المناسبة مناقشة أطروحة دكتوراه لطالب بسيط، جلب معه إلى القاعة أكثر من مجرد بحث أكاديمي، جلب سرديةَ حياة، وانتصارًا على الجغرافيا الاجتماعية، وتجسيدًا حيًا للمعرفة المتقشفة.
لم يكن ذلك الطالب محاطًا فقط بأعضاء اللجنة، بل بخلفية من النضال الصامت: والده، والدته، وجوه بسيطة تخفي وراء تجاعيدها تاريخًا من الكفاح، وتستبطن حلمًا واحدًا: أن يبلغ ابنهم أعلى مراتب العلم.
كانت المناقشة مفعمة بالأحاسيس، لا كما يُقال مجازًا، بل كما تُلمَس فعليًا في نبض اللحظة: توتر شفاف، اعترافات صادقة، دموع تتوارى خلف الكلمات. لقد كانت، بكل المعايير، لحظة من لحظات “الصدق الوجودي” بتعبير سورين كيركغور، حيث تنكشف الحقيقة في أوج ضعف الإنسان، لا في استعراض قوته.
وفي آخر تدخّل للطالب، بعد انتهاء الأسئلة والتوصيات، وقف بكامل تأثره، ليقول: ” أشكر أستاذي، ” أحمد الحضراني ” ، ليس فقط لأنه وجّهني أكاديميًا، بل لأنه، في لحظات كثيرة، كان يعينني ماديًا حين كنت أعجز عن تحمّل مصاريف التنقل.”
ثم توقف قليلًا، والتفت إلى والدته بنظرة امتنان دامعة، وقال: ” لقد باعت أمي، ذات مرة، دجاجة كانت تربيها في البيت، فقط لأتمكن من القدوم إلى الكلية…”
عند هذه الجملة، لم تعد الجلسة جلسة مناقشة، بل انكشفت الحقيقة الكاملة: أن المعرفة، حين تصدر عن الألم، تكون أكثر صدقًا ، كما كتب فالتر بنيامين ذات مرة:
“إن التاريخ لا يتقدم بأقدام الأقوياء وحدهم، بل بأشلاء المتألمين في صمتهم.”.
سقطت البروتوكولات، وذاب الحياد الأكاديمي أمام حرارة الإنسان.
كانت “الدجاجة” التي باعتها الأم رمزًا أنثروبولوجيًا كثيف الدلالة، لا للحاجة فقط، بل لقدرة الأم المغربية على تحويل أبسط أدوات العيش إلى جسور للحلم.
لقد جسّدت، دون أن تدري، ما أسماه كلود ليفي ستراوس “الفعل البدائي النبيل”، حيث تُحوَّل المادة اليومية إلى معنى سامٍ.
أما الأستاذ المشرف، فقد تجلّى في صورته المثلى، كما وصفه باولو فريري: مربٍّ لا يلقّن، بل يحرّر.
وفيه أيضًا الكثير من “المُربي الأخلاقي” كما تصوّره جون ديوي: ذاك الذي لا يعلّم فقط كيف نعرف، بل كيف نكون.
كان المشهد، في عمقه، يُشبه ما وصفه أفلاطون في “الجمهورية”، حين يخرج الفيلسوف من كهف النور ليصطحب غيره إليه؛ ذلك ما فعله هذا الأستاذ مع طالبه، لا عبر المجاز العقلي وحده، بل عبر التضامن العملي.
أما الطالب، فهو لم يكن فردًا عابرًا، بل كان كائنًا يبحث عن معنى، وقد وجده في الحقول المعرفية، كما وجده في بيت أمه.و يذكرنا مساره بما قاله أنطونيو غرامشي: “المثقفون الحقيقيون هم أولئك الذين يصعدون من الهامش، ويصنعون شرعيتهم بصمت وتأمل وشقاء.” ، وقد صدق المتنبي حين قال، وكأنه يلخّص لحظة هذا المساء:
“وإذا كانت النفوسُ كبارًا… تعبتْ في مرادِها الأجسامُ.”
في هذا المساء، لم نمنح فقط شهادة علمية لطالب، بل تلقّينا جميعًا شهادة إنسانية.
علمتنا هذه اللحظة أن الكلية ليست جدرانًا بل ضمائر، وأن الأستاذ الحقّ – كما قال جان جاك روسو – هو من يوقظ في الطالب قدرةً على أن يحب المعرفة، لا فقط أن يحفظها.
لقد آن الأوان لأن نعيد للمعرفة وزنها الأخلاقي، لا بوصفها سلعةً نخبوية، بل مسارًا مفتوحًا لمن يملك الشغف، ولو باع من أجله آخر ما لديه.
ليست الشهادات ما يُعلَّق على الجدران، بل الكرامة التي تُكتسب في طريق نيلها، تلك الكرامة التي بدت اليوم في وجه أمّ باعت طائرًا لتُحلّق أحلام ابنها، وفي أستاذٍ لم يقف عند دور التوجيه، بل وسّعه إلى معنى الرعاية، وفي طالبٍ فهم أن التفوق ليس امتيازًا، بل أخلاقٌا تخرج من رحم الحاجة، وإرادةٌ تعلو على الجغرافيا.
في زمنٍ تتكلم فيه الوقائع، وحدها الأفعال الصامتة تُنقذ المعنى.
وفي مساءٍ كهذا، لم يكن العلم مجرد إنتاج للمعرفة، بل كان شكلًا من أشكال الوجود الحقيقي.
كنت على صواب يا محمود درويش عندما قلت : ” على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وعلى هذه الدموع ما يستحق الانحناء.( لأولئك الذين يصعدون من الهامش بشرف، حاملين الحلم في يد، والكرامة في الأخرى.إلى كل أمٍّ ربّت المعرفة في فناء بيتها، وإلى طالبٍ جعل من الألم دربًا نحو النور، وإلى أستاذٍ آمن أن العلم رسالة قبل أن يكون مهنة، لكم جميعًا، هذه السطور المضيئة بالعرفان.
ذ عثماني رشيد

