المسرح الملكي بالرباط : من رمزية التدشين إلى رهانات القوة الناعمة والتحول الثقافي .

عبد اللطيف نبيهمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
المسرح الملكي بالرباط : من رمزية التدشين إلى رهانات القوة الناعمة والتحول الثقافي .

أخبار مكناس 24 – أبو مروان

يشكل تدشين المسرح الملكي بالرباط لحظة مفصلية في المسار الثقافي للمغرب ، تتجاوز بعدها العمراني أو الفني لتلامس رهانات أعمق تتعلق بإعادة تعريف موقع الثقافة ضمن المشروع التنموي الوطني . فهذا الصرح ، الذي يندرج ضمن رؤية جلالة الملك محمد السادس نصره الله الرامية إلى ترسيخ البعد الثقافي كرافعة للتنمية ، يعكس انتقالا نوعيًا من تصور تقليدي للثقافة بوصفها نشاطا عابرا ، إلى اعتبارها استثمارا استراتيجيًا في الرأسمال الرمزي واللامادي .

ويكتسي هذا التدشين دلالة بروتوكولية ورمزية خاصة ، بالنظر إلى إشراف صاحبات السمو الملكي الأميرات الجليلات للاخديجة ، للامريم و للا حسناء إلى جانب بريجيت ماكرون على هذا الحدث . فحضور هذه الشخصيات يعكس عمق العلاقات الثقافية المغربية-الفرنسية ، ويؤكد أن الثقافة أصبحت مجالا مركزيا في الدبلوماسية الناعمة . كما يبرز هذا الحضور البعد الدولي للمشروع ، باعتباره فضاء مؤهلا لاحتضان التلاقي الحضاري وتبادل التجارب الفنية ، بما يعزز موقع المغرب كجسر بين الثقافات .

و من زاوية سوسيولوجية ، يندرج هذا المشروع ضمن دينامية إعادة هيكلة المجال الحضري لمدينة الرباط ، التي تم تثبيتها كعاصمة للثقافة والأنوار ، خاصة بعد تصنيفها من طرف اليونسكو كتراث عالمي . فالمسرح الملكي لا يمثل مجرد بناية ، بل يشكل مؤسسة ثقافية قادرة على إنتاج المعنى وإعادة تشكيل الذوق الجمالي للمجتمع ، من خلال احتضان عروض مسرحية وأوبرالية وموسيقية ذات معايير عالمية ، ما يسهم في دمقرطة الولوج إلى الثقافة الرفيعة .

كما أن البعد المعماري للمسرح ، الذي صممته المهندسة العالمية زها حديد ، يمنح المشروع حمولة رمزية إضافية ، حيث يندمج الإبداع الهندسي مع الخصوصية الثقافية المحلية ، ليقدم نموذجا لما يمكن تسميته بـ”الحداثة المتجذرة”. هذا التزاوج بين الكوني والمحلي يعكس قدرة المغرب على استيعاب التحولات العالمية دون التفريط في هويته الحضارية .

وفي بعده التدبيري ، يكتسب تعيين إبراهيم المزند مديرا فنيًا للمسرح الملكي دلالة نوعية تعكس توجها نحو إسناد المسؤولية الثقافية لكفاءات راكمت تجربة ميدانية معتبرة . فالسيد ابراهيم لمزند ، الذي ارتبط اسمه بتنظيم تظاهرات كبرى وإدارة مشاريع ثقافية ناجحة ، يجسد نموذج الفاعل الثقافي القادر على الربط بين الإبداع والتنظيم ، وبين الرؤية الفنية ومتطلبات الحكامة . وينتظر أن يسهم حضوره في بلورة برمجة متوازنة تجمع بين الجودة والانفتاح ، وتمنح للمسرح هوية فنية واضحة قادرة على التفاعل مع محيطها المحلي والانخراط في الشبكات الدولية .

اقتصاديا ، يفتح تدشين المسرح الملكي آفاقا واعدة لتنشيط الصناعات الثقافية والإبداعية ، التي أصبحت تمثل أحد أهم محركات النمو في الاقتصاديات المعاصرة . فالمؤسسة قادرة على جذب استثمارات ، وتحفيز السياحة الثقافية ، وخلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة ، خصوصا في مجالات الإنتاج الفني ، والتقنيات السمعية البصرية ، وإدارة الفعاليات . كما يعزز هذا المشروع من تموقع المغرب ضمن الشبكات الدولية للثقافة والفنون ، بما يتيح له استقطاب تظاهرات كبرى ومهرجانات ذات إشعاع عالمي .

أما سياسيا، فإن هذا التدشين يحمل دلالات قوية تتعلق بتكريس القوة الناعمة للمغرب ، حيث تتحول الثقافة إلى أداة دبلوماسية موازية ، تسهم في تحسين صورة المملكة وتعزيز حضورها في المحافل الدولية . فالمسرح الملكي بالرباط ليس فقط فضاء للعرض ، بل منصة للحوار بين الثقافات ، وفضاء لإنتاج خطاب إنساني منفتح ، يعكس قيم التعدد والتسامح والعيش المشترك التي ينهجها المغرب .

غير أن نجاح هذا المشروع يظل رهينًا بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين النخبوية والانفتاح ، أي بين تقديم عروض ذات جودة عالية والحفاظ على إمكانية ولوج مختلف الفئات الاجتماعية . كما يطرح تحديات مرتبطة بالحكامة الثقافية، وضرورة تأهيل الموارد البشرية، وضمان استدامة البرمجة الفنية، حتى لا يتحول هذا الصرح إلى مجرد معلمة معمارية صامتة.

أكيد أن تدشين المسرح الملكي بالرباط لا يمثل مجرد حدث ثقافي ظرفي ، بل يشكل إعلانا صريحا عن دخول المغرب مرحلة جديدة في تدبير الشأن الثقافي ، حيث تغدو الثقافة ركيزة مركزية في النموذج التنموي . وهو ما ينسجم بعمق مع الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ، الذي ما فتئ يؤكد في مختلف خطبه وتوجيهاته السامية على أن الثقافة ليست ترفا مؤسساتيا ، بل رافعة أساسية للتنمية ، وعنصرا حاسما في بناء الإنسان وتعزيز قيم الانفتاح و الابتكار . فدعم جلالته المتواصل لمجالات الإبداع والفنون ، وإدماجها ضمن السياسات العمومية ، يعكس وعيا استراتيجيا بأن الاستثمار في الرأسمال اللامادي هو السبيل الأمثل لترسيخ مكانة المغرب ضمن الأمم الصاعدة ثقافيا وحضاريا . ومن ثم ، فإن هذا الصرح الثقافي لا يختزل فقط طموحا عمرانيا أو فنيًا ، بل يجسد إرادة ملكية راسخة لجعل الإبداع في صلب المشروع المجتمعي ، وتحويل القوة الناعمة إلى أداة فاعلة في تحقيق إشعاع دولي مستدام .

الاخبار العاجلة
error: تحذير