شهدت حركة التنقل الدولي بين المغرب والفضاء الأوروبي انتعاشاً ملحوظاً خلال سنة 2025، حيث تظهر البيانات الرسمية الصادرة عن المفوضية الأوروبية استمرار تدفق الطلبات المغربية للحصول على تأشيرة “شنغن” بمستويات قياسية، وضعت المملكة في صدارة أسواق شمال إفريقيا والمنطقة المغاربية، والخامسة على الصعيد العالمي. وعلى الرغم من الروابط التاريخية والاقتصادية والسياسية الوثيقة التي تجمع الرباط ببروكسل، فإن الأرقام الجديدة تكشف عن مفارقة واضحة تتمثل في اصطدام رغبة آلاف المغاربة في السفر بمعدلات رفض قنصلية مرتفعة تتجاوز المعدلات العالمية المعمول بها، مما يثري نقاشاً متجدداً حول كلفة وخلفيات هذه القرارات.
وفقاً لإحصائيات المفوضية الأوروبية، استقبلت القنصليات الأوروبية بالمملكة ما يقارب 620 ألف طلب تأشيرة خلال سنة 2025، ليحافظ المغرب على موقعه المتقدم ضمن القائمة العالمية للدول الأكثر طلباً للتأشيرة، مستقراً في المرتبة الخامسة خلف دول ذات كثافة سكانية ضخمة وهي الصين، تركيا، الهند، وروسيا. ويأتي هذا الإقبال في سياق تنامٍ تدريجي لحركة السفر عبر العالم بعد التعافي من تداعيات جائحة كورونا؛ إذ عالجت قنصليات فضاء “شنغن” إجمالاً نحو 11.93 مليون طلب في 2025، بزيادة قدرها 1.8% مقارنة بسنة 2024، وإن كانت الحركية العالمية لم تستعد بعد كامل زخم ما قبل الجائحة حين تخطت 17 مليون طلب في 2019.
في المقابل، تظهر الشق الآخر من البيانات القنصلية منح السلطات الأوروبية 480 ألفاً و354 تأشيرة للمواطنين المغاربة خلال سنة 2025، غير أن هذا الرقم يقابله رفض واسع شمل 114 ألفاً و320 ملفاً، وهو ما يرفع معدل الرفض الوطني إلى 19.2%، وهي نسبة تتجاوز بوضوح المتوسط العالمي لرفض التأشيرات البالغ 14.8%. وتكشف المقارنات الدولية عن تفاوتات لافتة في معالجة الملفات؛ ففي الوقت الذي سجلت فيه روسيا معدل رفض منخفض لم يتجاوز 6.4%، بلغت نسبة الرفض في الجارة الجزائر 31% من مجموع طلباتها، وتوضح هذه الفوارق أن الحجم العددي للطلبات ليس المحدد الوحيد للقبول، بل تتدخل فيه معايير قنصلية معقدة ترتبط بتقييم مخاطر الهجرة غير النظامية، واستيفاء الضمانات المالية، والسجل الارتدادي للمسافرين.
أمام هذه الأرقام، تتزايد الانتقادات الموجهة من الشارع المغربي لآليات التدبير القنصلي وشركات الوساطة المفوضة؛ حيث تحول الحصول على موعد لإيداع الملفات إلى مسار معقد يستغرق أسابيع أو أشهراً في كثير من الأحيان، كما تضاعفت الأعباء المالية على المواطنين نتيجة الارتفاع المتتالي لرسوم التأشيرات، وتكاليف الترجمة والتأمين الصحي، فضلاً عن مصاريف التنقل نحو المراكز القنصلية، وتكمن الصعوبة الأكبر في أن قرارات الرفض لا تحرم المتقدمين من السفر فحسب، بل تكبدهم خسائر مالية مباشرة دون أي إمكانية لاسترجاع الرسوم والمصاريف المدفوعة سلفاً.
وفي سياق متصل، حملت المؤشرات الإحصائية جانباً إيجابياً يعكس توازناً نسبياً في السياسة الحمائية الأوروبية، تمثل في استمرار منح نسب عالية من التأشيرات متعددة الدخول للمغاربة؛ فقد نال هذه الفئة 265 ألفاً و244 شخصاً، أي ما يعادل 55.2% من إجمالي التأشيرات الصادرة لصالح المواطنين المغاربة في 2025. ويمنح هذا الإجراء تسهيلات ملموسة للمسافرين الدائمين، تتيح لهم التنقل المرن دون الحاجة لتكرار الإجراءات مع كل رحلة، وهو امتياز يمنح عادة لمن يملكون سجلاً إيجابياً في احترام مدد الإقامة، أو ترتبط مصالحهم المهنية والأكاديمية والعائلية بالفضاء الأوروبي بشكل مستمر.
وعلى المستوى الدولي، واصلت الصين ريادتها بحجم طلبات فاق 1.81 مليون طلب، في حين استمرت فرنسا كأكثر الوجهات الأوروبية استقطاباً بـ3.1 ملايين ملف تمت معالجتها عبر قنصلياتها عالمياً، مستفيدة من جاذبيتها التقليدية وبخاصة في دول شمال إفريقيا. وتؤكد هذه الحصيلة السنوية أن ملف التأشيرات يظل أحد أكثر المواضيع حساسية على طاولة العلاقات المغربية الأوروبية؛ فرغم الشروط المشددة والكلفة المرتفعة، يظل الطلب المغربي على السفر ثابتاً، وهو ما يطرح باستمرار تساؤلات سياسية ودبلوماسية حول مدى مواءمة هذه القيود القنصلية مع عمق الشراكة الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية التي تجمع الرباط بالاتحاد الأوروبي في ملفات حيوية كبرى.
