تعيش العاصمة الإسماعيلية مكناس في الآونة الأخيرة على وقع أحوال جوية استثنائية التي تتميز بموجات حرارة مرتفعة تزيد من حدة المخاطر المحدقة بالسلامة العامة، وهو ما تجسد بشكل مفاجئ في الحريق الذي اندلع مؤخراً بجوطية “باب الجديد”، حيث كشف هذا الحادث عن هشاشة كبيرة في منظومة التدخل الاستعجالي وبعد المسافة التي تتواجد فيها مقر القيادة. لقد دق هذا الحدث ناقوس الخطر حول الوضعية المقلقة التي تعيشها القيادة الجهوية للوقاية المدنية بمكناس، والتي تتسم بنقص حاد في الموارد اللوجستيكية والبشرية، مما يضع المدينة أمام تحديات حقيقية في حال وقوع حوادث أو حرائق كبرى.
ففي وقت لا تتوفر فيه مكناس سوى على أربع شاحنات فقط لتغطية تراب العمالة بكامله، بما في ذلك المناطق الحضرية والجماعات القروية التابعة لها، تظهر التفاوتات الصارخة عند مقارنة هذا الوضع بمدينة فاس، التي تحظى بإمكانيات لوجستيكية وبشرية تفوق نظيرتها في مكناس بكثير، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول معايير توزيع الدعم والمعدات على مستوى الجهة.
ولا يمكن الحديث عن هذا الخصاص دون التساؤل بجدية عن الدور المنوط بمجلس جهة فاس-مكناس، الذي يغيب دوره التنموي والدعم الذي من المفترض أن يوفره لهذه القيادة الحيوية، خاصة وأن هذه الأخيرة مطالبة بتغطية مساحة جغرافية واسعة تتجاوز بكثير مساحة مدينة فاس، وهو ما يضاعف من حجم الضغط على الآليات المحدودة المتاحة حالياً.

ومع ذلك، لا بد من الإشادة بالتضحيات الجسام والعمل الجبار الذي يقوم به أفراد الوقاية المدنية بمكناس، الذين يبذلون قصارى جهدهم في ظروف عمل صعبة وشاقة لحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم. ويستحق القائد الجهوي للوقاية المدنية بمكناس تنويهاً خاصاً على إشرافه المباشر ومتابعته الدقيقة لكل صغيرة وكبيرة، ووقوفه الميداني على مختلف التدخلات، حيث يجسد وفريقه روح المسؤولية والتفاني في أداء الواجب، رغم كل الإكراهات ونقص المعدات الذي يحد من سرعة وفعالية تدخلاتهم.
وفي هذا السياق، لم تعد الأصوات المطالبة بالتحرك مجرد صرخات فردية، بل تحولت إلى مطالب مهنية ومؤسساتية؛ حيث تقدمت هيئات تجار المدينة القديمة بتاريخ 9 يوليوز 2026 بمراسلة رسمية إلى رئيس الجماعة الحضرية لمكناس، تلتمس فيها التدخل العاجل لتوفير شاحنات إطفاء وسيارات إسعاف مجهزة لتغطية مناطق حساسة كباب منصور، وباب الجديد، وباب الملاح. إن هذه المراسلة تعكس القلق العميق للمهنيين أمام الخصوصية المعمارية للمدينة القديمة، وتؤكد أن أي تأخير في الاستجابة لهذه المطالب قد تكون له عواقب وخيمة لا يمكن تداركها.
إن هذه الوضعية، ورغم المبادرات المحلية التي قادها عامل عمالة مكناس، والتي تكللت باقتناء سيارتين الإسعاف عبر مجلس العمالة، وبمشروع بناء مقر للقرب جديد للوقاية المدنية بمنطقة “لالة جميلة” بالقرب من شركة ميكومار، تظل جهوداً لا ترقى لدرء المخاطر الميدانية المتصاعدة التي تقع بالمدينة القديمة ولا تكفي وحدها لمواجهة التحديات الكبرى التي تفرضها اتساع الرقعة الجغرافية للمدينة. وأمام هذا الواقع، يبقى التدخل الفعلي لمجلس جماعة مكناس أمراً لا مفر منه، باعتباره المؤسسة المنتخبة المعنية الأولى بالسهر على توفير كل الإمكانيات المتاحة، والعمل بشكل استعجالي على تعزيز البنية التحتية واللوجستيكية للوقاية المدنية، لضمان حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم بما يليق بحجم وتطلعات ساكنة المدينة.
كما يتساءل المواطن المكناسي أين وصل مشروع مقر قيادة الوقاية المدنية المتواجد بشارع محمد السادس قرب مقر ولاية أمن مكناس، الذي سيكون متنفساً للقرب لتدخل الفوري والميداني في وقت وجيز.
