أخبار مكناس 24 – متابعة عبداللطيف نبيه
تقتضي القراءة الموضوعية لمسار التنمية بمدينة مكناس التمييز بين حق الرأي العام في مساءلة تدبير الشأن المحلي، وهو حق أصيل ومشروع، وبين اختزال حصيلة مجلس جماعي بأكملها في مشروع واحد ، مهما بلغت كلفته المالية أو أثار من نقاش. فالعاصمة الإسماعيلية، بما تختزنه من رصيد تاريخي وحضاري، وما تواجهه من تحديات عمرانية واقتصادية واجتماعية، تحتاج إلى نقاش عمومي رصين يضع المشاريع والقرارات في سياقها التنموي الشامل، بعيدا عن الأحكام الانطباعية أو القراءات الانتقائية التي قد تضخم جزئية معينة على حساب الصورة الكاملة.
وفي هذا السياق، أعادت الكتابات التي تناولت مشروع «نافورات مكناس» النقاش حول الميزانية المخصصة له إلى واجهة الاهتمام المحلي.
ولا شك أن حجم الاعتمادات المالية المرصودة لأي مشروع عمومي يستدعي التوضيح والتفسير ، من حيث الكلفة والجدوى والمردودية والأثر المنتظر على حياة المواطنين. فالأموال العمومية أمانة وتدبيرها يخضع لمبادئ الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن استحضار هذه المبادئ لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإغفال باقي الأوراش التنموية الكبرى والمبادرات المتعددة التي تشكل مجتمعة ملامح الحصيلة التنموية للمدينة، كما لا يصح أن يصبح مشروع واحد معيارا وحيدا للحكم على أداء مؤسسة منتخبة بكاملها.
أكيد أن جوهر الإشكال لا يكمن في إثارة النقاش حول النافورات، ولا في مساءلة الجماعة بشأن أولوياتها الاستثمارية، بل في المنهجية المعتمدة لتقييم العمل الجماعي. فالنقد البناء لا يفقد قيمته حين يسلط الضوء على نقط بعينها، وإنما يفقد جزءا من موضوعيته عندما يعزلها عن سياقها العام، ويتجاهل في المقابل ما تحقق من خطوات جبارة ومبادرات متنوعة ، أو يتعامل مع التدبير المحلي باعتباره ملفا منفصلا عن تراكمات الماضي وتعقيدات الحاضر وانتظارات المستقبل. ومن هنا، فإن التقييم المنصف يقتضي وضع المشروع موضع النقاش ضمن خريطة الأولويات المحلية و معرفة تفاصيله ، دون تحويله إلى عنوان شامل ومسبق للحكم على مجموع التجربة التدبيرية. فالأمر لايتعلق بصيانة نافورات فحسب ، بل يتعلق بإعادة بنائها بشكل جذاب ، و بتجهيزات مرتبطة بالإنارة و الضخ جد حديثة إضافة إلى مواكبة اشتغالها و الحرص على صيانتها باستمرار .
و دون شك أنه منذ تولي السيد العباس الومغاري رئاسة مجلس جماعة مكناس، برزت أهمية الرهان على تحريك عجلة العمل الجماعي وإعادة وضع قضايا التنمية المحلية في صلب الاهتمام. فالتدبير الترابي ليس مجرد عملية إدارية لتسيير المرافق اليومية، بل هو مسؤولية سياسية ومؤسساتية تقتضي تعبئة الموارد، وترتيب الأولويات، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، ومواكبة المشاريع، والبحث عن حلول للإكراهات التي تعيق تطور المدينة. وفي هذا الإطار، ينبغي النظر إلى الجهود التي يقودها رئيس المجلس باعتبارها جزءا من مسار يستهدف تجاوز مظاهر التعثر، واستعادة دينامية المبادرة، وإعادة الاعتبار لمكناس بوصفها قطبا حضريا وتاريخيا واقتصاديا يستحق موقعا متقدما ضمن خريطة المدن المغربية.
وتتجلى أهمية هذه الدينامية في كون التنمية لا تتحقق بقرار منفرد أو مشروع معزول، بل من خلال منظومة متكاملة من التدخلات التي تشمل تأهيل البنية التحتية، وتحسين الطرق والإنارة، والارتقاء بجودة الخدمات الجماعية، والعناية بالمجال الحضري، وتعزيز جاذبية المدينة للاستثمار، والاستجابة المتدرجة لانتظارات الأحياء والساكنة. وهي أوراش مترابطة، يحرص السيد الومغاري على تنزيلها و تفعيلها ، و تعكس قدرة مجلس جماعة مكناس على الانتقال من التدبير اليومي إلى التخطيط الاستراتيجي، ومن معالجة الحاجيات الآنية إلى بناء رؤية تنموية تستحضر التحولات الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المدينة.
ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال أن مدينة مكناس ظلت لسنوات تواجه تحديات متراكمة ترتبط بتأهيل عدد من المجالات الحضرية، وتطوير الخدمات الأساسية، وتحسين جاذبيتها الاقتصادية والسياحية، وتوفير شروط أفضل للحياة اليومية.
و في هذا الإطار ، فإن تثمين ما يقوم به السيد العباس الومغاري لا ينبغي أن ينطلق من منطق المجاملة السياسية أو الدفاع غير المشروط عن كل قرار، وإنما من ضرورة الاعتراف بقيمة العمل المؤسساتي الذي يروم تحريك المشاريع، واستعادة المبادرة، وتعزيز الحضور الميداني في تدبير القضايا المحلية.
و السيد الومغاري يؤمن بأن رئاسة جماعة مكناس مسؤولية تتطلب القدرة على ترتيب الملفات بحسب درجة استعجالها، و التواصل مع الساكنة والإنصات إلى ملاحظاتها، ومواكبة حاجيات الأحياء، والتفاعل مع انتظارات الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والثقافيين. وكلما تحولت هذه المبادئ إلى ممارسات منتظمة ومؤشرات قابلة للقياس، ازدادت الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتعززت مصداقية العمل التنموي.
إن ما يستحق التثمين في أي تجربة تدبيرية جادة هو قدرتها على الانتقال من منطق تدبير الاختلالات إلى منطق صناعة الحلول، ومن معالجة الملفات إلى إرساء تصور يربط البنية التحتية بجودة العيش، والتأهيل الحضري بالتنمية الاقتصادية، والجاذبية السياحية بخلق فرص الشغل، والاستثمار العمومي بتحسين الخدمات.
ومكناس، بقيادة السيد الومغاري بما تتوفر عليه من مؤهلات تاريخية وثقافية وعمرانية، تحرص على هذا الترابط بين المشاريع، حتى لا تبقى التنمية مجرد تدخلات متفرقة، بل تتحول إلى مسار متكامل يعيد للمدينة إشعاعها، ويعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات، ويمنح شبابها آفاقا أوسع للمشاركة في الدورة الاقتصادية والاجتماعية.
ومن المهم أيضا أن يحظى البعد الاجتماعي للمشاريع الجماعية عند مجلس جماعة مكناس بالمكانة التي يستحقها في النقاش العمومي. فنجاح أي برنامج التأهيل الذي ؤقوده السيد الوظغاري لا يقاس فقط بما يضيفه إلى المشهد العمراني من جمالية، وإنما كذلك بما يسعى إلى تحقيقه من تحسن في ظروف العيش، وسلامة التنقل، وجودة الفضاءات العمومية، وسهولة الولوج إلى الخدمات، وتقليص الفوارق بين الأحياء. ومن ثم، فإن الإنصاف في تقييم حصيلة المجلس يقتضي النظر إلى مختلف هذه الأبعاد، واستحضار طبيعة الحاجيات التي يستجيب لها كل مشروع، ومدى انسجامه مع الأولويات المحلية، وإسهامه في تحقيق تنمية متوازنة تجعل المواطن في صلب اهتمام مجلس جماعة مكناس.
أما بخصوص مشروع النافورات، فإن النقاش المسؤول حوله ينبغي أن يظل مفتوحا على المعطيات الدقيقة، من خلال توضيح مكوناته وكلفته النهائية ومصادر تمويله وأهدافه ومراحل إنجازه وشروط صيانته، ومدى انسجامه مع التصور العام لتأهيل الفضاء الحضري. فالجمالية الحضرية ليست ترفا بالضرورة، إذ يمكن أن تسهم في تحسين صورة المدينة وتعزيز جاذبيتها. والمطلوب هنا ليس تحصين المشروع من النقد، ولا إصدار حكم مسبق عليه، بل إخضاعه لمعايير النجاعة والشفافية والمردودية، تماما كما ينبغي أن تخضع لها سائر المشاريع العمومية.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين النقد الذي يسعى إلى تصحيح المسار والنقد الذي يختزل التجربة في عنوان واحد .
فالأول يطرح الأسئلة، ويطالب بالبيانات، ويقارن بين الكلفة والنتائج، ويقترح البدائل الممكنة، ويساعد على تجويد القرار العمومي. أما الثاني، حين ينطلق من جزئية واحدة ليصدر حكما شاملا على مجموع الأداء ، فإنه يخاطر بإضعاف النقاش العمومي وتحويله من فضاء لتبادل الحجج إلى مجال للتجاذب والانطباعات.
وليس من الإنصاف أن تصبح كل المبادرات رهينة مشروع واحد، كما أنه ليس من الموضوعية اعتبار أي حصيلة ناجحة لمجرد وجود مشاريع معلنة؛ فالمعيار الحقيقي هو ما يتحقق على أرض الواقع، وما يتركه من أثر قابل للملاحظة والقياس.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الإعلامية تقتضي الجمع بين حق النقد وواجب التحقق، وبين مساءلة المسؤولين وإبراز ما يستحق التثمين من مجهودات. فالإعلام يؤدي دورا محوريا في مراقبة تدبير الشأن العام، وتنوير المواطنين، وإبقاء قضايا المدينة في دائرة الاهتمام. غير أن قوتها المهنية لا تقاس بحدة الانتقاد وحدها، وإنما كذلك بقدرتها على بناء صورة دقيقة ومتوازنة، تميز بين الوقائع والآراء ، وتمنح مختلف الأطراف حق التوضيح، وتضع المشاريع ضمن سياقاتها القانونية والمالية والتنموية. فالإعلام المسؤول لا يجامل المؤسسات، لكنه لا يختزلها أيضا في زقط بعينها، ولا يجعل من إثارة الجدل غاية في حد ذاتها.
وبالموازاة مع ذلك، فإن المجلس الجماعي، برئاسة السيد العباس الومغاري، مدعو إلى مواصلة ترسيخ ثقافة التواصل المؤسساتي، وتعزيز نشر المعطيات المتعلقة بالمشاريع، وتوضيح أولويات الاستثمار، وتقديم حصيلة دورية تتضمن ما أنجز وما يوجد قيد التنفيذ وما تعترضه من إكراهات. فكلما كانت المعلومات متاحة ومؤطرة بمؤشرات واضحة، تقلص مجال التأويل، وأصبح النقاش أكثر ارتباطا بالوقائع، وتحولت المساءلة من تبادل الاتهامات إلى تقييم موضوعي يساعد على تحسين الأداء. كما أن الانفتاح على النقد الجاد لا ينتقص من مكانة المؤسسة، بل يعزز قدرتها على التصحيح والتطوير والاستجابة لانتظارات المواطنين.
إن مكناس اليوم تحتاج إلى نقاش متوازن يربط بين الحق في المساءلة وضرورة الإنصاف، وبين تثمين المبادرات ومطالبة أصحاب القرار بتحقيق نتائج ملموسة. كما تحتاج إلى تضافر جهود المنتخبين والإدارة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والإعلام والساكنة، لأن مستقبل المدينة أكبر أهم من أن يختزل في سجال عابر حول مشروع بعينه.
و دون شك فإن الحركية التنموية التي يسعى مجلس جماعة مكناس إلى ترسيخها، بقيادة السيد العباس الومغاري، تستحق أن تقرأ في إطارها الشامل، وأن تقاس بما تحققه من تقدم كبير في الأوراش، وتحسن في الخدمات، واستجابة للحاجيات، وقدرة على معالجة الاختلالات المتراكمة. ويظل تثمين الجهود المبذولة أمرا مشروعا حين يستند إلى الوقائع والنتائج، مثلما تظل المساءلة حقا أصيلا حين تقوم على المعطيات والبدائل. فلا التنمية تكتمل بالتصفيق، ولا النقد يبلغ غايته بالتبخيس؛ بل إن المدينة تتقدم حين تتحول الملاحظات إلى حلول، والمشاريع إلى منجزات، والاختلاف إلى قوة اقتراحية تخدم الصالح العام.
فمكناس أكبر من أن تختزل في نافورة، وأغنى من أن تقاس حصيلتها من زاوية واحدة. إنها مدينة تاريخية ذات رهانات مستقبلية كبرى، تحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة، وإلى عمل مؤسساتي متواصل، وإلى إعلام مهني يراقب وينصف، وإلى مواطنين يشاركون في صناعة التغيير.
وبين جدل النافورات وحركية التنمية، تبقى الغاية الأسمى هي أن تصبح كل المبادرات، مهما اختلفت طبيعتها، جزءا من مشروع حضري متوازن يعيد لمكناس مكانتها، ويصون كرامة ساكنتها، ويفتح أمام أجيالها المقبلة آفاقا أرحب للتقدم والازدهار.
فحينما تتسع زاوية النظر، تظهر الصورة كاملة؛ وحينما يقترن النقد بالإنصاف، والتدبير بالشفافية، والطموح بالإنجاز، تصبح التنمية مسؤولية جماعية لا معركة لتصفية الحسابات. وتلك هي المعادلة التي تحتاجها مكناس اليوم: مساءلة بلا تبخيس، وتثمين بلا مجاملة للحركية التنموية التي تشهدها جماعة بفضل مجلس جماعي أخذ على عاتقه العمل من أجل إعادة الاعتبار للعاصمة الإسماعيلية و تعزيز إشعاعها في مختلف المجالات .

