لم تعد التنافسية السياحية للمدن تقاس فقط بما تختزنه من مؤهلات تاريخية أو طبيعية، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الرصيد إلى عرض سياحي متكامل، يستجيب لانتظارات الزوار، ويستقطب الاستثمار، ويخلق فرص الشغل، ويساهم في تحقيق التنمية الترابية المستدامة. ومن هذا المنطلق، يبرز السؤال حول موقع مدينة مكناس ضمن الخريطة السياحية الوطنية، وكيفية تمكين العاصمة الإسماعيلية من تعزيز جاذبيتها ومنافسة وجهات سياحية رائدة، من قبيل الرباط ومراكش وفاس وطنجة وأكادير والداخلة.
وإن استحضار تجارب هذه المدن يكشف أن لكل واحدة منها خصوصيتها ومجالات تميزها؛ فمراكش تستثمر إشعاعها السياحي الدولي، والرباط تجمع بين الوظيفة المؤسساتية والبعد الثقافي، وفاس تستند إلى عمقها الحضاري والعلمي، وطنجة إلى موقعها الاستراتيجي، فيما تستفيد أكادير والداخلة من مؤهلاتهما الطبيعية والبحرية. أما مكناس، فتتوفر على رأسمال تاريخي وحضاري ومجالي متميز، يؤهلها لبناء نموذج سياحي خاص، قوامه السياحة الثقافية والتراثية والبيئية والفلاحية.
فالعاصمة الإسماعيلية تختزن ذاكرة تاريخية استثنائية، تجسدها معالمها المصنفة ضمن التراث العالمي، من قبيل باب منصور لعلج وساحة الهديم وقصر المنصور والإسطبلات التاريخية وصهريج السواني والأسوار والأبواب العتيقة. غير أن تثمين هذا الرصيد لا ينبغي أن يظل محصورا في ترميم المعالم وتأهيل واجهاتها، بل يتعين أن يمتد إلى بناء مدارات سياحية متكاملة، تربط بين المآثر التاريخية والفضاءات الثقافية والحرف التقليدية والمطاعم والأنشطة الترفيهية، بما يحول الزيارة العابرة إلى تجربة سياحية متكاملة تشجع على تمديد مدة الإقامة.
وتزداد هذه المؤهلات أهمية بالنظر إلى الامتداد السياحي لمحيط المدينة، وما يتيحه القرب من وليلي ومولاي إدريس زرهون والحاجب وإفران من إمكانات لبناء مدارات تجمع بين السياحة التاريخية والدينية والبيئية والجبلية والقروية. وهو ما يجعل من مكناس نقطة ارتكاز مناسبة لتطوير عرض سياحي جهوي مندمج، يتجاوز الحدود الإدارية للمدينة ويستثمر التكامل بين مختلف المؤهلات المجالية لجهة فاس مكناس.
و أكيد أن حرص السيد عامل عمالة مكناس و السيد رئيس جماعة مكناس و السيد رئيس جماعة المشور الستينية على استكمال ورش تأهيل المدينة العتيقة، والعناية بالممرات والساحات التاريخية، وتحسين الإنارة والتشوير والنظافة والولوجيات، وضمان استمرارية المشاريع المنجزة وفتح الفضاءات المؤهلة أمام الزوار من شأنه أن يسهم في تحقيق رهان الجذب السياحي و تعزيز إشعاع العاصمة الأسماعيلية مكناس . فالصورة السياحية للمدينة لا تصنعها المآثر وحدها، بل تصنعها أيضا جودة المحيط الحضري، وحسن الاستقبال، وسهولة التنقل، وتكامل الخدمات.
كما أن تعزيز التنافسية السياحية يستدعي تطوير البنيات الفندقية وتنويع أصناف الإيواء، وتشجيع الاستثمار في دور الضيافة والفنادق المصنفة والمطاعم والفضاءات الترفيهية، إلى جانب تثمين الصناعات التقليدية والمنتجات المجالية والموروث الثقافي والمطبخي.
ويظل التنشيط الثقافي والفني عاملا أساسيا في هذا المسار، من خلال أجندة سنوية للتظاهرات والمهرجانات والمعارض، تجعل من مكناس مدينة حية تستقطب الزوار على امتداد السنة، وليس فقط خلال مناسبات محدودة.
ومن جهة أخرى، يشكل التسويق الترابي والرقمي مدخلا حاسما للتعريف بمؤهلات العاصمة الإسماعيلية، عبر استراتيجية تواصلية احترافية تستثمر الوسائط الرقمية والمحتويات السمعية البصرية، وتنفتح على وكالات الأسفار ومنظمي الرحلات والأسواق السياحية الوطنية والدولية. كما أن تحسين الربط بين المحطة السككية والمؤسسات الفندقية والمواقع التاريخية، وتطوير النقل السياحي نحو وليلي وزرهون وإفران، من شأنه أن يعزز جاذبية المدينة ويدعم إدماجها ضمن المسارات السياحية المنظمة.
ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف دون حكامة سياحية ترابية قائمة على التنسيق والتكامل بين السلطات المحلية والإقليمية والجماعات الترابية ومجلس الجهة والمصالح القطاعية والمهنيين والمستثمرين والجامعة ومكونات المجتمع المدني. فالسياحة مسؤولية جماعية تتطلب رؤية موحدة، وبرامج عملية محددة الأولويات والآجال، وآليات للتتبع والتقييم، فضلا عن تعبئة الاستثمار وتشجيع المقاولات السياحية وتأهيل الموارد البشرية.
و دون شك أن مكناس لا تحتاج إلى استنساخ تجارب المدن السياحية الأخرى، بقدر ما تحتاج إلى استثمار خصوصيتها التاريخية والحضارية، وتطوير عرض سياحي يزاوج بين أصالة الموروث وجودة الخدمات وتنوع التجارب. فالتحدي الحقيقي ليس في عدد المعالم التي تحتضنها المدينة، وإنما في قدرتها على تحويل هذه المعالم إلى قيمة اقتصادية وثقافية واجتماعية منتجة.
و إن الرهان اليوم هو الانتقال بمكناس من مدينة ذات مؤهلات سياحية واعدة إلى وجهة سياحية متكاملة، تستقطب الزوار وتستجيب لانتظاراتهم، وتخلق فرصا جديدة للاستثمار والتشغيل، وتعزز إشعاعها ضمن الخريطة السياحية الوطنية والدولية. وهي مسؤولية تستدعي تعبئة جماعية ورؤية استراتيجية تجعل من السياحة رافعة أساسية للتنمية الترابية، ومن الموروث الإسماعيلي ثروة حية تسهم في بناء مستقبل واعد للعاصمة الإسماعيلية .
.

