تعيش جماعة مكناس ، على غرار عدد من الجماعات الترابية ، نقاشا متصاعدا حول أزمة الثقة والتمثيل وجودة التدبير . وهو نقاش مشروع في سياق ترسيخ الحكامة المحلية وتعزيز أدوار الرقابة المجتمعية ، غير أن المفارقة تبرز حين يتحول هذا النقاش إلى مصدر تناقض صارخ بين الخطاب والممارسة .
فمن اللافت أن النقاش الذي أثار الجدل حول “أزمة التمثيل والتدبير والثقة” يصدر من داخل دواليب الجماعة نفسها، في الوقت الذي يُتداول فيه أن من يثيرون هذا الجدل يتقاضون أجورهم دون انتظام في أداء واجباتهم المهنية . هنا لا يتعلق الأمر بمصادرة حق أي موظف في التعبير أو إبداء الرأي ، فحرية الرأي مكفولة في إطار القانون ، لكن الإشكال يتصل بمدى انسجام الخطاب النقدي مع السلوك الوظيفي .
و إن الحديث عن أزمة الثقة يكتسب معناه حين يصدر عن فاعلين يجسدون في ممارساتهم اليومية قيم الانضباط والالتزام وربط المسؤولية بالمحاسبة . أما حين يتحول النقد إلى أداة تمارس من موقع لا يلتزم بدوره بأبسط مقتضيات الواجب المهني ، فإننا نكون أمام مفارقة أخلاقية وإدارية عميقة . فالموظف العمومي ، بحكم وضعه القانوني ، يتقاضى أجره من المال العام مقابل أداء مهام محددة بانتظام واستمرارية . وأي إخلال مثبت بهذا الالتزام لا يمس فقط صورة الفرد ، بل ينعكس على مصداقية المؤسسة ككل .
المفارقة هنا مزدوجة : من جهة ، خطاب ينتقد ضعف التمثيل وغياب النجاعة في التدبير ؛ ومن جهة أخرى، ممارسة — إن ثبتت — تسهم في تكريس الاختلال ذاته الذي يتم انتقاده . فكيف يمكن بناء ثقة المواطن في مؤسسته المحلية إذا كان بعض من ينتقدونها لا يلتزمون ، بدورهم ، بقواعد الانضباط المهني؟ وكيف يمكن الحديث عن إصلاح التدبير دون البدء بإصلاح الذات الوظيفية؟
إن مسؤولية رؤساء الأقسام والمصالح الذين ينتمي إليها المعنيون بالأمر تظل قائمة في إطار واجب الإشراف والتتبع الإداري . فالحكامة لا تتحقق فقط عبر الشعارات أو الخطابات ، بل من خلال آليات واضحة لضبط الحضور ، وتقييم الأداء ، وتفعيل المساطر التأديبية عند الاقتضاء . كما أن رئاسة الجماعة مطالبة باتخاذ قرارات مسؤولة وشجاعة ، في إطار القانون ، لضمان احترام مبدأ المساواة أمام الواجبات الوظيفية .
غير أن جوهر الإشكال يتجاوز البعد الفردي ليطرح سؤالا أعمق : هل أزمة جماعة مكناس هي أزمة تمثيل فقط ، أم أنها أزمة التزام مؤسساتي وثقافة وظيفية؟ فالثقة لا تبنى بالخطاب وحده ، بل بالتطابق بين القول والفعل . والإصلاح الحقيقي يبدأ حين يتحمل كل فاعل — منتخبا كان أو موظفا — نصيبه من المسؤولية ، ويجسد في سلوكه اليومي القيم التي يدعو إليها .
أكيد أنه لا يمكن لأي مؤسسة أن تستعيد ثقة مواطنيها ما لم تُفعِّل بصرامة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ، دون انتقائية أو ازدواجية . فالمفارقة بين النقد والممارسة ، إذا لم تعالج بحزم وشفافية ، تتحول من مجرد تناقض فردي إلى عنوان لأزمة أعمق تمس صورة المرفق العمومي وشرعيته المجتمعية .




