السياسة المتزنة تبدأ بكلمة محسوبة وصمت واع .

عبد اللطيف نبيه17 ديسمبر 2025آخر تحديث :
السياسة المتزنة تبدأ بكلمة محسوبة وصمت واع .

 

في سياق سياسي يتسم بتنامي التوتر الخطابي ، وتزايد منسوب الاستقطاب ، واستسهال إطلاق المواقف عبر المنصات الرقمية ، تبرز قيمة الصمت الواعي كخيار سياسي لا يقل أهمية عن الفعل الميداني. وتستعيد الحكمة القائلة «السمكة التي فمها مغلق يصعب اصطيادها» معناها العميق في إدارة اللحظة السياسية ، حيث لم يعد الخطر في غياب الخطاب ، بل في فائضه

 

و لقد أضحت الكلمة السياسية، في كثير من الأحيان ، عبئا أكثر منها أداة توضيح ، إذ سرعان ما تجتزأ التصريحات ، وتفرغ من سياقها ، وتوظف لتغذية الصراع بدل إغناء النقاش العمومي. في هذا المناخ ، يتحول الصمت المدروس إلى ممارسة سياسية رشيدة ، تسمح للفاعل السياسي بقراءة موازين القوى ، واستيعاب تعقيدات الظرفية ، وتفادي الانزلاق نحو مواقف متسرعة قد تقيّد الفعل المستقبلي أو تربك الثقة العامة.

 

ولا يعني هذا الصمت تنصّلا من المسؤولية أو تهرّبا من المحاسبة، بل هو تمييز دقيق بين واجب التواصل وضرورة التحفظ. فالتواصل السياسي الفعال لا يقاس بعدد التصريحات ، بل بقدرتها على تقديم المعنى ، وضبط الانتظارات ، وربط القول بالفعل . وفي غياب هذا التوازن ، تتحول السياسة إلى مسرح للضجيج ، وتختزل المسؤولية العمومية في ردود أفعال آنية .

 

ففي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة ، وما تفرضه من حساسية في المواقف والاصطفافات ، تزداد كلفة الخطأ الخطابي ، وتصبح للكلمة تبعات دبلوماسية ومؤسساتية قد تتجاوز الفاعل نفسه . من هنا ، يبدو الصمت أحيانا تعبيرا عن وعي استراتيجي ، يضع المصلحة العامة فوق منطق الاستعراض السياسي.

أكيد أن الرهان الحقيقي في اللحظة الراهنة لا يكمن في من يتكلم أكثر ، بل في من يحسن متى يتكلم ، ومتى يختار الصمت . فكما أن الجرأة في القول مطلوبة ، فإن الشجاعة في الصمت ، حين تقتضيها المصلحة العامة ، تظل علامة على نضج الفعل السياسي ورشده .
و دون شك أن من يغفل عن إدراك القيمة الجوهرية للصمت ، يظل عاجزا عن استيعاب دلالات الكلمة ومفاعيلها في السياق الاجتماعي والسياسي . فالصمت ، عند النظر إليه بعين التحليل الإداري والسياسي ، ليس مجرد غياب للكلام ، بل أداة استراتيجية تنطوي على رسائل ضاغطة ضمنية ، وتعبر عن ضبط للنفس ووعي بالتحولات المحيطة . و من لا يلحظ هذا الصمت ، يفقد القدرة على تقييم المواقف بعقلانية ، ويصبح أسير الانطباعات السطحية ، غير قادر على التمييز بين ما هو جوهري وما هو عابر ، وبين الخطاب المسؤول والكلمة العشوائية . إدراك هذه البعدية يتيح للفاعل السياسي والاجتماعي تحويل الممارسة الكلامية إلى أداة للقيادة المؤثرة ، وللسياسة إلى ممارسة رشيدة ، وللحوار المجتمعي إلى تفاعل واع ومستدام ، حيث يقاس الأثر الحقيقي للفعل بالكلمة المختارة ومكانها الزمني ، لا بمجرد وفرة الكلام .

الاخبار العاجلة
error: تحذير