أخبار مكناس 24: نبيه عبداللطيف
في سياق يتسم بتصاعد التنافس السياسي كلما اقتربت المواعيد الانتخابية ، يبرز مجددا سؤال المعايير التي ينبغي أن تؤطر تقييم المترشحات و المرشحين ، بين منطق الكفاءة والإنجاز ، ومنطق الإثارة والتوظيف الظرفي للملفات . وفي هذا الإطار ، يندرج النقاش الدائر بالعاصمة الإسماعيلية حول ترشح السيد أنس الأنصاري ، الذي أصبح موضوع سجال يتجاوز شخصه ليعكس طبيعة الخطاب العمومي وحدوده بين النقد المشروع والانزلاق نحو التبخيس غير المؤسس .
و إن القراءة المتأنية لمسار أنس الأنصاري تكشف عن نموذج مهني تدرّج داخل منظومة صناعية دقيقة ، قائمة على التنافسية والانضباط التقني ، حيث يكتسي التكوين المتخصص والخبرة الميدانية دورا حاسما في تحقيق الاستمرارية والنجاعة . فانتماؤه إلى المدرسة الوطنية العليا للفنون والصناعات النسيجية ، ثم اشتغاله في مواقع تدبيرية داخل وحدات إنتاجية ، وصولا إلى قيادته لشركة CRC PRODUCTION ، كلها عناصر تؤشر على مسار يتأسس على التراكم المهني وليس على الظهور الظرفي . كما أن توليه رئاسة الجمعية المغربية لصناعة النسيج والألبسة يضعه في قلب أحد أهم القطاعات المصدرة والمشغلة في الاقتصاد الوطني ، بما يفرضه ذلك من قدرة على التفاوض ، والتخطيط ، واستيعاب التحولات الدولية .
غير أن هذا المسار لم يسلم من محاولات الربط بملفات تعود إلى سياقات سابقة ، وعلى رأسها قضية شركة “سيكوميك”، التي يتم استدعاؤها في النقاش العمومي بشكل انتقائي يفتقر إلى الدقة المنهجية . فالخلط بين المسؤوليات الفردية والسياقات البنيوية ، أو بين المسارات المهنية الحالية وملفات قيد المعالجة القانونية ، يعكس في جوهره خللا في بناء الحجة أكثر مما يعكس قوة في الطرح . إذ إن أي تحليل رصين يفترض الانطلاق من معطيات موثقة ، وربط الوقائع بسياقاتها الزمنية والمؤسساتية ، بدل الاكتفاء بالإيحاء أو التلميح . كما أن استحضار مواقف تنظيمات نقابية في هذا الملف ، يبيّن أن تعدد الفاعلين وتداخل المسؤوليات يجعل من الاختزال أو التبسيط المخل قراءة غير علمية للوقائع .
و من جهة أخرى ، فإن استهداف الكفاءات القادمة من الحقل الاقتصادي يطرح إشكالا أعمق يتعلق بعلاقة السياسة بالإنتاج والمعرفة . فحين يُنظر بعين الريبة إلى كل فاعل اقتصادي يقرر الانخراط في الشأن العام ، فإن ذلك يحد من إمكانية تجديد النخب وضخ دماء جديدة و خبرات ميدانية داخل المؤسسات التمثيلية . في المقابل ، يتيح حضور بروفايلات ذات خلفية صناعية ، مثل السيد أنس الأنصاري ، إمكانية نقل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى السياسات العمومية القابلة للتنفيذ ، خاصة في مجالات التشغيل ، والتكوين ، وجاذبية الاستثمار .
ولا يمكن إغفال أن الرهان بالنسبة لمدينة مثل مكناس يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة النموذج التنموي المنشود ، حيث تحتاج المدينة إلى فاعلين قادرين على الربط بين النسيج الاقتصادي المحلي وشبكات الإنتاج الوطنية والدولية . وفي هذا السياق ، تكتسي الخبرة الترافعية داخل مؤسسات كـ الاتحاد العام لمقاولات المغرب أو الانخراط في هيئات ذات صلة بالتكوين والتقييم أهمية خاصة ، لأنها تتيح فهما أدق لكيفية اشتغال السياسات العمومية من الداخل .
أكيد أن النقاش العمومي السليم لا يقوم على إقصاء النقد ، بل على ترشيده وربطه بمعايير الموضوعية والإنصاف . فالتقييم الحقيقي لأي مرشح ينبغي أن يستند إلى حكامته و حكمته ، وحصيلته العلمية والأكاديمية ، وقدرته على الإقناع ، ورؤيته للمستقبل ، بدل الارتهان لخطابات تختزل الواقع في اتهامات غير مدعومة أو في قراءة انتقائية للماضي . ومن هذا المنطلق، يبدو أن الجدل القائم حول ترشح السيد أنس الأنصاري يكشف ، في عمقه ، حاجة ملحة إلى الارتقاء بمستوى النقاش السياسي ، بما يسمح بتمييز النقد المسؤول عن الحملات الظرفية المغرضة ، ويعيد الاعتبار لمنطق الكفاءة كمدخل أساسي لبناء الثقة في الفعل العمومي .
و د ن شك أن ، وزن الترشيحات لا يقاس بعلوّ الضجيج الذي يرافقها ، بل بصلابة المسار ووضوح الرؤية وقابلية البرامج للتنزيل . ومن هذه الزاوية ، يبرز ترشح أنس الأنصاري كخيار يعيد الاعتبار لمنطق الكفاءة داخل الفعل السياسي ، ويقترح وصلا ضروريا بين الخبرة الصناعية وصناعة القرار العمومي .
وإن الرهان اليوم ، خاصة بالنسبة لمدينة مكناس ، ليس في إعادة إنتاج سجالات مستهلكة ، بل في تبني كفاءات قادرة على تحويل الإمكانات إلى نتائج ملموسة . وبين خطاب يستنزف الماضي ومقاربة تستشرف المستقبل ، يبدو أن ترشح السيد أنس الأنصاري يحمل رؤية والتزام بديل عملي ومسؤول ، قوامه العمل والمعرفة ، وأفقه إعادة الثقة في السياسة كرافعة للتنمية ، لا كساحة للتجاذب العقيم .




