في خضم الدينامية الإصلاحية التي تشهدها جماعة مكناس ، تبرز الجهود الجبارة التي يبذلها السيد رئيس المجلس الجماعي في سبيل الارتقاء بجودة الخدمات الأساسية المقدّمة للمواطنات و المواطنين ، سواء تعلق الأمر بتأهيل البنية التحتية، أو تجديد وتقوية الإنارة العمومية ، أو تحسين منظومة النظافة، أو معالجة إكراهات النقل الحضري، أو تأهيل و دعم البنيات الثقافية و الرياضية ، أو إنعاش الحركة الثقافية أو الفنية ، أو إرساء قنوات للتواصل المباشر مع الساكنة. وهي مجالات تعكس إرادة سياسية لتجاوز اختلالات تراكمت عبر سنوات طويلة ، وتسعى إلى إعادة الاعتبار للجماعة باعتبارها فاعلا محوريا في تحقيق التنمية المجالية .
غير أن هذه المجهودات ، على أهميتها ، تصطدم بعائق بنيوي عميق يفرغ جزءا كبيرا من هذه المبادرات من مضمونها، ويتعلق الأمر بتدبير الموارد البشرية داخل جماعة مكناس . فالملاحظ أن هذا الورش يظل الحلقة الأضعف في مسلسل تنزيل وتفعيل البرنامج الجماعي ، بل يتحول في أحيان كثيرة إلى عامل معيق يقوض من الداخل ما يتم بناؤه على مستوى التخطيط والبرمجة والتنفيذ . إذ لا يمكن لأي إصلاح مؤسساتي أن يحقق أهدافه ما لم يستند إلى جهاز إداري كفء ، محفز ، و منصف في مساره المهني.
إن إشكالية تدبير الموارد البشرية بجماعة مكناس لا تقتصر على اختلالات تقنية أو إدارية معزولة ، بل تتخذ طابعا بنيويا يتجلى في هيمنة منطق شخصي ضيق على حساب معايير الكفاءة والاستحقاق . وهو منطق يغذيه ، في بعض الحالات ، حقد دفين تجاه الأطر المؤهلة والكفاءات التي تزخر بها الجماعة ، ويترجم عمليا في التحكم في المسارات المهنية، وفي أنظمة التعويضات، وفي فرص الترقي وتحمل المسؤولية. والنتيجة المباشرة لذلك هي إضعاف الإدارة الجماعية ، وإشاعة مناخ من الإحباط وفقدان الثقة ، وتكريس ثقافة الريع الإداري بدل ثقافة الأداء والنجاعة.
ويزداد هذا الوضع تعقيدا حين يتبين أن بعض المتشبثين بالمناصب ، ممن راكموا نفوذهم عبر مجالس منتخبة متعاقبة، ما زالوا يمارسون أدوارا حاسمة في توجيه القرار الإداري. فهؤلاء، الذين استمدوا قوتهم من علاقات الزبونية والتوسل السياسي ، يشكلون ما يشبه “مراكز مقاومة” لأي إصلاح حقيقي ينشده المجلس الجماعي ، ويحولون الإدارة إلى فضاء مغلق يخضع لمنطق الولاء بدل منطق الخدمة العمومية. وهو ما يجعلهم، موضوعيا ، معولا يهدم من الداخل كل محاولة جادة للتحديث، مهما حسنت النوايا على مستوى القيادة السياسية للجماعة.
أكيد أن الموارد البشرية تشكل الرأسمال غير المادي الأهم لأي مؤسسة عمومية، وهي القاطرة الحقيقية للتنمية بمختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والمجالية. وقد أثبتت تجارب الحكامة المحلية، وطنيا ودوليا ، أن نجاح السياسات العمومية رهين بوجود إدارة مهنية، محايدة، قائمة على الوضوح في توزيع الاختصاصات، والشفافية في التقييم، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي غياب ذلك، تتحول البرامج التنموية إلى مجرد وثائق نوايا ، ويصبح الاستثمار في البنية التحتية أو الخدمات مجرد حلول ظرفية لا تصمد أمام الزمن.
وعليه، فإن التحدي المطروح اليوم أمام السيد عباس الومغاري رئيس جماعة مكناس لا يقتصر على استكمال أوراش التأهيل المادي ، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة فتح ورش شجاع لإصلاح تدبير الموارد البشرية ، بما يقتضيه من إعادة الاعتبار للكفاءات ، وتخليق الإدارة، وتفكيك شبكات النفوذ التي بنيت أساسا على التوسل السياسي . فالسؤال الجوهري لم يعد : هل هناك إرادة للتنمية؟ بل أصبح: هل حان الوقت لنفض هذا “الفيروس الإداري” الذي يعيقها ؟ والجواب، في ظل الرهانات التنموية المتسارعة ، يبدو أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.




