أخبار مكناس24 // أبو مروان
تشكل عبارة “مكناس التي أعشقها” مدخلا دلاليا يعكس علاقة الفرد بمدينة ليست مجرد موطن جغرافي، بل فضاء حميمي يتشابك فيه الوجدان بالذاكرة، والحلم بالتخييل، والانتماء بالهوية. فالعشق هنا ليس حالة عاطفية عابرة ، بل هو موقف وجودي يجعل من المدينة امتدادا عضويا للذات، وموضعا لإعادة تشكيل المعنى كلما ضاقت الأمكنة أو اتسعت الأزمنة.
ولعل ما يمنح هذا العشق عمقه، هو أن تجربة الانتماء إلى مدينة مكناس لم تتشكل في فراغ، بل استقرت في الوعي منذ الطفولة الأولى. فهي المدينة التي ولدت فيها، ونشأت بين أحيائها، وترعرعت في مساحاتها المفتوحة والمغلقة ، حتى صارت تفاصيلها جزءا من تكويني الداخلي قبل أن تكون جزءا من محيطي الخارجي. و إن التدرج في العيش بين أسوارها وأزقتها وأسواقها ومجالاتها العامة جعل العلاقة بها علاقة ذاكرة لا تستعاد فقط، بل تعاد كتابتها باستمرار.
ولم يكن هذا الارتباط الوجداني مجرد حنين، بل قرارا واعيا. فقد تخليت عن أحلام كانت تمتد نحو مدن بعيدة وبلدان أخرى، وتنازلت عن آفاق مهنية وشخصية كان يمكن أن تأخذني بعيدا عن هنا، لأن مكناس—بكل ما تحمله من رموز وملامح ودفء—ظلت الأقرب إلى معنى الاستقرار الداخلي. لم يكن ذلك التخلي خسارة، بل إعادة ترتيب سلم القيم : اختيار الأصل على العابر ، والعمق على اللمعان، والذاكرة على الاغتراب. لقد بقيت هنا، ليس لأن الفرص خارج المدينة لم تكن ممكنة ، بل لأن الحضور خارج مكناس لم يكن يشبهني.
ولأن الأحلام التي كنت أخطها على الورق، والتي كانت ترسم احتمالات حياة في مدن أخرى، ذابت تدريجيا في ظل هذا الارتباط الحميمي. فالمكان الذي يشبهك يأخذك إليه، يختبر صبرك وولاءك، ثم يمنحك في المقابل شعورا بالانتماء لا يمكن لأي مدينة أخرى صنعه مهما بدت لامعة أو واعدة.
وبقدر ما تقرأ مكناس في عمارتها وتراثها ، يمكن قراءتها أيضا في هذا السرد الوجداني الذي يجعلها “مدينة داخلية” بقدر ما هي مدينة “خارجية” . فالعلاقة بها علاقة بين حلم يكتب وتاريخ يعاش؛ بين تخييل يعيد تشكيل المكان كما تتمناه الذات، ومكانٍ فعلي يفرض حضوره على الذاكرة. هنا، تصبح الأحلام الورقية ليست هروبا من المدينة ، بل وسيلة للبقاء داخلها بطريقة أكثر كثافة، وكأن التخييل نفسه يتحول إلى امتداد لجغرافيتها الروحية.
وهكذا، تتجاوز مكناس حدود توصيفها كموطن ميلاد، لتغدو نموذجا لمفهوم “المكان الذي يختارنا بقدر ما نختاره”. إنها مدينة تمنح ساكنها توازنا داخليا، وتعيد إليه صوته الصامت، وتضعه أمام المرآة الأولى التي تعلم من خلالها معنى الانتماء. ومن هنا يمكن فهم عبارة “مكناس التي أعشقها”: ليست مجرد إعلان حب، بل صيغة وجودية تختصر رحلة كاملة من التعلق والاختيار والمصالحة مع الذات.
وفي نهاية هذا المسار الوجداني الذي يربط الذات بمكانها الأول ، تبدو مكناس أكثر من مدينة ترى أو تزار؛ إنها فضاء تكتمل فيه الهوية كلما ضاعت ملامحها في زحام الحياة. هي الذاكرة التي تستدعي صاحبها ، والحلم الذي يستعيد شكله كلما لامسته يد التخييل. ومع كل محاولة للفكاك منها، تعود لتثبت أنها ليست مجرد جغرافيا ، بل جزء من البنية العميقة للذات التي تربت في رحابها.
وهكذا، يتلاشى الفاصل بين الإنسان والمكان ، فتنقلب العلاقة من سكن عابر إلى إقامة روحية دائمة. لذلك يمكن القول—وبكامل اليقين الهادئ الذي يصنعه الحب العميق—إن مكناس تسكنني… وأنا أسكنها.




