مهرجان القنيطرة.. استثمار في الأمل لا تبذير في زمن الأزمة

عبد اللطيف نبيه6 أغسطس 2025آخر تحديث :
مهرجان القنيطرة.. استثمار في الأمل لا تبذير في زمن الأزمة

 

في وقتٍ يُفضل فيه البعض تأبيد المدينة في مشهدها الرمادي، والتماهي مع خطاب اليأس والركون إلى الانتظار، اختارت السلطات الإقليمية بمدينة القنيطرة أن تكسر هذا النمط، وأن تراهن على الفن والثقافة كرافعة للتنمية ومتنفس لسكان عانوا طويلاً من التهميش وسوء التقدير. مهرجان القنيطرة ليس قرارًا عبثيًا، ولا هو مجرّد فرجة موسمية، بل هو مشروع يحمل رؤية أعمق مما يتصوره من اختزل النقاش في “الحفر والكلاب الضالة”.

نعم، القنيطرة تعاني اختلالات واضحة في بنيتها التحتية، وهذا لا ينكره أحد. لكن، هل التوقف عن كل مبادرة ثقافية هو الحل؟ وهل يجب أن ننتظر مدينة خالية من كل أزمة لننظم مهرجانا؟ منطق “إما نظافة أو موسيقى” هو تبسيط مخل، لأن المدن الحديثة تبنى على التوازن بين الضروريات المادية والاحتياجات الرمزية والروحية. فالثقافة، كما يعلم الجميع، ليست ترفًا، بل حق من حقوق الإنسان، وأداة للتماسك الاجتماعي.

الحديث عن نصف مليار سنتيم وكأنه رقم خيالي يُهدر في “اللاشيء”، يتجاهل أن هذا المبلغ – والذي ساهمت في تمويله جهات متعددة من بينها مستثمرون وخواص – يُعاد ضخه مباشرة في الدورة الاقتصادية المحلية: فنادق، مطاعم، شركات خدمات، فنانين، تقنيين، حرفيين، شباب يبحثون عن فرص عمل مؤقتة. فهل نحاسب الدولة حين تنظم مباراة في كرة القدم أو معرضا دوليا؟ أم أن المهرجان وحده صار رمزًا “للفساد” في نظر من لا يرى في الفن سوى “كماليات”؟

ثم إن تقليد تجربة إفران لا يعني استنساخها الأعمى، بل الاستفادة من نموذج نجح في تنشيط السياحة الداخلية وخلق إشعاع حضاري لمدينة جبلية صغيرة. فلماذا لا يُسمح للقنيطرة أن تطمح؟ وهل مقدّر علينا أن نبقى دائمًا أسرى لأوجاعنا، نعيد اجترار الأزمات بدل محاولة تجاوزها بطرق جديدة؟ الثقافة ليست نقيضا للنظافة، والموسيقى ليست خصمًا للكرامة.

من يهاجم المهرجان اليوم، يتجاهل أن عددا من ساكنة المدينة – خصوصا الشباب – عطشى إلى حياة ثقافية تُخرجهم من ضغط الواقع. وقد يكون مهرجان واحد كفيلا بإحياء الأمل، ولو مؤقتًا، في مدينة تحتاج إلى الضوء، ليس فقط في أعمدة الإنارة، بل في النفوس والعقول. أليس من الغبن أن نلوم العامل لأنه بادر، فقط لأنه لم يُرضِ “المعارضة اللفظية” التي لم تقدم بديلا عمليًا؟

القول إن المهرجان “قرار فوقي” فيه تجاهل لحقيقة أن الدولة مسؤولة عن تقديم المبادرات، خصوصا حين يغيب الاجتهاد المحلي. والمقاربة التشاركية لا تعني تعطيل أي مشروع حتى توافق عليه كل الأصوات، بل تعني فتح المجال للتقييم والتقويم بعد الإنجاز، لا وأده قبل أن يولد. كما أن الطعن في النيات واتهام الجميع بالسعي إلى المصالح، هو نوع من التعميم الظالم، الذي لا يبني خطابا مسؤولا.

إننا بحاجة إلى الاعتراف بأن التنمية ليست فقط تعبيد الطرق وجمع النفايات، بل أيضًا صناعة الأمل، وبناء ثقة الناس في مدينتهم. مهرجان القنيطرة، في صورته الأولى، ليس نهاية الطريق، بل خطوة رمزية قد تفتح الباب أمام مسارات أعمق. فلنتناقش، نعم، ولننتقد بموضوعية، لكن دون أن نُسقط سيف التخوين على كل مبادرة لا تتوافق مع مزاجنا السياسي أو خطنا التحريري.

القنيطرة ليست فقط بوابة الغرب، إنها بوابة الأمل أيضًا، ومن حقها أن تحلم، وأن تغني، حتى وهي تصلح ما فسد. لأن المدن التي تتوقف عن الحلم، تموت بصمت.


 

الاخبار العاجلة
error: تحذير