في خطوة اعتُبرت علامة فارقة في مسار إصلاح العدالة الجنائية، قدّم المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب مذكرة توصيات لتعديل قانون المسطرة الجنائية، واضعًا حماية النساء والأطفال على رأس أولوياته، ومشدّدًا على ضرورة إغلاق أبواب الإفلات من العقاب أمام المتورطين في جرائم العنف.
أبرز ما جاء في المذكرة هو الدعوة الصريحة لحظر آليات الصلح والوساطة في حالات العنف الجسدي أو الجنسي ضد النساء والأطفال، وهو ما يمثّل تحولاً حاسمًا في فلسفة التعامل مع هذه الجرائم، من مقاربة “الترضية” إلى مبدأ المحاسبة.
التوصيات تشمل كذلك مراجعة المصطلحات القانونية عبر استبدال تعبير “الأحداث” بـ”الأطفال”، مع التأكيد على ضرورة تضمين المبادئ الدولية الخاصة بعدالة الأطفال، وضمان حصول الضحايا منهم على الحماية والمساعدة القانونية والدعم النفسي. كما تقترح المذكرة إجراءات جديدة لتخفيف العبء النفسي أثناء المحاكمة، من بينها توثيق أقوال الضحية بالصوت والصورة ومنع أي مواجهة مباشرة مع المعتدي.
أما في ما يتعلق بالنساء المعنفات، فتوصيات المجلس تدعو إلى تحميل السلطات عبء الإثبات، وضمان سرية الإجراءات، وتوفير تدابير حماية فورية، إضافة إلى إنشاء صندوق خاص لجبر الضرر.
المذكرة لم تغفل كذلك عن تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة للمشتبه فيهم، من خلال الإقرار بالحق في الاتصال بمحام منذ لحظة التوقيف، مع حضوره أثناء الاستجواب، وتقليص مدد الحراسة النظرية، وتوسيع نطاق التوثيق السمعي البصري لمراحل التحقيق. كما دعت إلى استحداث “قاضي الحريات والاعتقال” لضمان شرعية الاعتقال الاحتياطي، وتكريس قاعدة المثول الحر أمام القضاء، مع جعل التقييد الاستثنائي خاضعًا لتبرير قضائي صريح.
وتُعدّ المذكرة خطوة جريئة نحو إصلاح شمولي، حيث تقترح أيضاً إجراءات واضحة ومستقلة للتعويض عن الأخطاء القضائية، مع إمكانية نشر أحكام البراءة والتعويض، ما يعزز ثقة المواطن في منظومة العدالة.
بهذا المسار الإصلاحي، يبدو أن المغرب يتجه نحو مقاربة جنائية أكثر عدلاً وإنصافًا، تجعل من حماية الضحايا أولوية، ومن المساءلة قاعدة، لا استثناء.
