بقلم : أبو مروان
تضطلع المؤسسة الملكية في المغرب بدور محوري وأساسي في بلورة وتنفيذ السياسة الإفريقية للمملكة، فهي ليست مجرد ركيزة دبلوماسية، بل هي القوة الدافعة والموجهة لهذه العلاقة الاستراتيجية. و تتجلى هذه الريادة في التزام جلالة الملك محمد السادس الراسخ بتحويل التعاون جنوب-جنوب إلى واقع ملموس، من خلال سلسلة من الزيارات الملكية المكثفة إلى دول القارة، وتوقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية التي تغطي قطاعات حيوية كالفلاحة، والطاقة المتجددة، والبنوك، والاتصالات….
هذا الالتزام الشخصي لجلالة الملك حفظه الله هو الذي أعاد المغرب بقوة إلى الاتحاد الإفريقي، وأثمر مبادرات تنموية كبرى، مثل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي. وفي خطوة غير مسبوقة تؤكد العمق الاستراتيجي لهذه الرؤية، منح المغرب لدول الساحل الشقيقة منفذاً على المحيط الأطلسي، وذلك بتسخير بنيته التحتية المينائية والطرقية والسككية.
هذه المبادرة، التي تشكل ترجمة عملية لمفهوم التضامن الإفريقي، تهدف إلى تحسين ولوج هذه الدول غير الساحلية إلى التجارة الدولية وتسهيل مبادلاتها الاقتصادية، مما يساهم في دعم تنميتها واندماجها في الاقتصاد العالمي. كل هذا يؤكد أن الرؤية الملكية لإفريقيا ليست ظرفية بل هي قناعة راسخة بأن مستقبل المغرب يرتبط ارتباطاً وثيقاً بازدهار القارة وتضامنها.
و يشكل الاحتفال باليوم العالمي لإفريقيا في الخامس والعشرين ( 25 مايو ) من مايو مناسبة سنوية لاستحضار الروابط التاريخية والثقافية والاقتصادية التي تجمع المغرب بعمقه الإفريقي. و هو ليس مجرد تذكير بتاريخ مشترك، بل هو تأكيد على رؤية استراتيجية راسخة، بدلالات عميقة ورهانات متعددة الأوجه، تعكس التزام المملكة المغربية ببناء مستقبل إفريقي واعد ومتضامن.
و دون شك أن احتفال المغرب باليوم العالمي لإفريقيا يمثل تجسيدًا لعدة دلالات
محورية من بينها الروابط التاريخية و الحضارية . فالعلاقات المغربية الإفريقية تضرب بجذورها في أعماق التاريخ حيث كانت المملكة المغربية على الدوام جسرًا حضاريًا وثقافيًا ودينيًا بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء. و لقد ساهمت القوافل التجارية، والعلماء المغاربة في نشر الإسلام وعلومه وقيمه، بالإضافة إلى تبادل الخبرات والمعارف. هذا الإرث التاريخي هو الذي يجعل الملك الراحل الحسن الثاني أكرم الله مثواه يصف المغرب ب “الشجرة التي جذورها في إفريقيا وأغصانها في أوروبا”.
ومن ضمن الدلالات أيضا الإلتزام الملكي الراسخ برؤية إفريقية. فالسياسة الإفريقية للمغرب تتجاوز مجرد البعد الدبلوماسي لتصبح مكونًا أساسيًا في استراتيجية عاهل البلاد للمملكة المغربية . فمنذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017 ، بعد غياب دام 33 عامًا، أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله في العديد من خطبه السامية على الأهمية القصوى التي يوليها جلالته لتعزيز التعاون جنوب-جنوب ،
والعمل على قارة إفريقية مزدهرة وموحدة. هذا التوجه الملكي هو ما يدفع المغرب إلى أن يكون أول مستثمر إفريقي في منطقة غرب إفريقيا، والثاني على مستوى القارة، مستثمرًا في مجالات حيوية كالبنوك، والاتصالات، والفوسفات، والبنية التحتية، والطاقة المتجددة.
و يعكس الاحتفال أيضا التزام المغرب بالتضامن مع الدول الإفريقية في مواجهة التحديات المشتركة كالتغيرات المناخية، والأمن الغذائي، والتنمية المستدامة، والأمن والاستقرار. وقد تجلى ذلك في استضافة المغرب لمؤتمر “كوب 22” (COP22) الذي شهد إطلاق لجان المناخ الإفريقية الثلاث: لجنة حوض الكونغو، ولجنة منطقة الساحل، ولجنة الدول الجزرية الإفريقية، مما يدل على رؤية المغرب لضرورة التنمية الشاملة التي تأخذ بعين الاعتبار البعد البيئي.
و لا يقتصر الاحتفاء باليوم العالمي لإفريقيا على استعراض حصيلة الإنجازات ، بل ينظر إلى المستقبل برهانات استراتيجية هامة تضع من بين أولوياتها تعزيز التعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة.
فالمغرب يراهن على تعزيز التعاون الاقتصادي المتنوع، ليشمل قطاعات جديدة وواعدة. وفي هذا الإطار ، تهدف المملكة المغربية إلى أن تكون قاطرة للتنمية في إفريقيا، من خلال تشجيع الاستثمار المتبادل، وتطوير البنية التحتية، ونقل الخبرات والمعارف في مجالات مثل الفلاحة، والطاقة، والصناعة. ويعكس هذا التوجه حرص المغرب على بناء شراكات رابح-رابح تسهم في تحقيق التنمية الشاملة لشعوب القارة.
و يعد تعزيز الأمن والاستقرار في القارة الإفريقية رهانًا أساسيًا للمغرب، الذي يساهم بفاعلية في جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ويعمل على تعزيز قدرات الدول الإفريقية في هذا المجال حيث أن استقرار المنطقة يمثل حجر الزاوية لأي تنمية مستدامة، ويؤكد المغرب على ضرورة معالجة جذور هذه التحديات.
أكيد أن المغرب يهدف من خلال سياسته الإفريقية إلى تعزيز حضوره الدبلوماسي وتأثيره السياسي داخل الاتحاد الإفريقي والمنظمات الإقليمية. و إن عودته إلى الاتحاد الإفريقي لم تكن مجرد خطوة شكلية، بل كانت بمثابة تحول استراتيجي لتمكين المغرب من الدفاع عن القضايا الإفريقية النبيلة، وتوحيد الجهود لمعالجة التحديات المشتركة، والدفاع عن وحدة المغرب الترابية .
و يشكل البعد الإنساني والثقافي ركيزة أساسية في سياسة المغرب الإفريقية. فالمغرب يدعم التعاون في مجالات التنمية البشرية، والتعليم، والصحة، وتبادل الخبرات الدينية، وتقديم المساعدات الإنسانية. كما يولي اهتمامًا خاصًا للثقافة الإفريقية، باعتبارها مكونًا جوهريًا للثقافة المغربية، من خلال تنظيم المهرجانات الثقافية والفنية، وتعزيز التبادل الثقافي بين الشعوب الإفريقية.
دون شك أن احتفال المغرب باليوم العالمي لإفريقيا ليس مجرد طقس احتفالي، بل هو تجسيد لسياسة خارجية عميقة ومتكاملة، ترتكز على رؤية ملكية استراتيجية، وتهدف إلى بناء مستقبل إفريقي واعد ومتضامن. هذه الرؤية التي تعتبر إفريقيا في صلب أولويات السياسة الخارجية للمملكة، تدرك أن مصير المغرب مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصير القارة، وأن التنمية والازدهار الحقيقيين لا يمكن أن يتحققا إلا بتضافر جهود جميع الدول الإفريقية. ومن خلال التزامه الصادق بالتعاون جنوب-جنوب، والدفاع عن القضايا العادلة للقارة، يثبت المغرب أنه شريك موثوق به وفاعل أساسي في تحقيق طموحات شعوب القارة.
