تعد الاستعارة الرمزية أداة تحليلية محورية في فهم الخطاب السياسي والثقافي ، لما تمنحه من قدرة على احتواء التعقيد التاريخي داخل صورة دلالية مركبة. وفي هذا السياق ، تكتسب العنقاء المغربية بعدا نظريا وسياسيا حين توظّف لوصف المسار الوطني في تعاطيه مع ملف الصحراء المغربية ، حيث لا تحيل على الحاجة إلى إعادة البناء ، بل على التحليق بافتخار فوق فضاء السرديات المعقدة والسيادة الرمزية المكتسبة، بما يعكس قدرة المملكة المغربية على إنتاج سرديتها الوطنية بشكل استباقي واستراتيجي .
لقد شكل ملف الصحراء المغربية فضاء لتقاطع الروايات ومحاولات إعادة صياغة التاريخ والهوية خارج الإطار المغربي، لكنه لم يكن مجرد نزاع ترابي، بل حلبة صراع سردي دولي وفق مفهوم حروب السرديات الدولية (International Narrative Wars)، حيث تتنافس الأطراف على إنتاج وإضفاء الشرعية على رواياتها . وهو ما ينسجم مع تحليلات ميشيل فوكو حول السلطة والهيمنة الرمزية، حيث لا يعبّر الخطاب عن السلطة فحسب ، بل ينتجها ويعيد توزيعها داخل الحقول المعرفية والسياسية. وقد تعامل المغرب مع هذه البيئة المعقدة بمنهجية استراتيجية طويلة النفس ، أعادت صياغة السردية الوطنية من موقع الفعل المباشر والسيادة الرمزية ، بعيدا عن ردود الفعل الانفعالية أو خطاب المظلومية .
وفي هذا الإطار ، برزت الرؤية الملكية السامية كإطار ناظم أعاد توجيه تدبير الملف من منطق الدفاع إلى منطق البناء التراكمي. فقد وفرت هذه الرؤية تصورا شاملا يجمع بين الشرعية الدينية والتاريخية والقانونية، والتنمية الميدانية، وإعادة إنتاج المعنى داخل الفضاء الدولي . وبفضل هذا النسق المتكامل ، تمكنت المملكة المغربية من تفكيك سرديات الخصوم تدريجيا ، لا عبر المواجهة الخطابية المباشرة ، بل من خلال إفراغها من فعاليتها الرمزية ، وإبراز محدودية أطروحاتها أمام واقع سياسي وقانوني وتنموي متماسك ، ما جعل المغرب ينتقل من موقع الطرف المدافع إلى موقع الفاعل المرجعي القادر على اقتراح الحلول الواقعية ، وفق منطق ينسجم مع تصور جوزيف ناي للقوة الناعمة، القائمة على الجاذبية والإقناع بدل القسر .
وقد شكل القرار رقم 2797 لمجلس الأمن الصادر في 31 أكتوبر 2025 محطة مفصلية في هذا المسار السردي والمؤسساتي ، إذ كرس بشكل واضح مركزية مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية باعتبارها الحل الواقعي والجاد وذا المصداقية للتسوية النهائية لهذا النزاع المفتعل . ولم يكن هذا القرار معزولا عن التراكم الدبلوماسي والسردي المغربي ، بل جاء نتيجة مباشرة لتحول ميزان القوى و المعنى داخل المنتظم الدولي ، حيث طويت الأطروحات المناوئة ، مقابل تنامي الاعتراف الدولي بواقعية المقترح المغربي. وفي هذا السياق، يكتسب إعلان جلالة الملك محمد السادس نصره الله يوم 31 أكتوبر عيدا للوحدة خلال خطابه الملكي السامي مباشرة بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 ، دلالة رمزية عميقة ، إذ لا يحيل فقط على حدث تاريخي ، بل على استمرارية تصور سيادي يعيد وصل الذاكرة الجماعية بالفعل السياسي المعاصر .
وتحيل استعارة العنقاء ، في هذا السياق ، إلى قدرة الدولة المغربية على التحليق بافتخار فوق تراكم الضغوط والسرديات المتهاوية ، وتحويل التحديات إلى فرص لإعادة تموضع سردي يعكس الذاكرة الجماعية بوصفها موردا لإنتاج المعنى وتثبيت الهوية الوطنية ، بما ينسجم مع أفكار ” بول ريكور ” حول العلاقة الجدلية بين الذاكرة والتاريخ والهوية. فالتحليق بافتخار هنا دلالة على أثر صراعات سردية تم تجاوزها عبر بناء شرعية متجددة .
ولقد أسهم هذا التحول في إعادة تموضع المغرب كفاعل مرجعي داخل الفضاء الدولي للسرديات ، حيث لم تعد الصحراء المغربية مجرد ملف نزاع ، بل فضاء متعدد الأبعاد يجمع بين السياسة والتنمية والثقافة ، ويتيح للمملكة المغربية التحكم في إيقاع النقاش حوله . ومن خلال مبادرة الحكم الذاتي ، تم تقديم تصور عملي يعكس التعدد داخل الوحدة ، ويحول الاستقرار إلى ركيزة استراتيجية ، فيما تقلص هامش المناورة الرمزية للخصوم بشكل لافت.
كما تمثل القوة الناعمة رافعة أساسية لهذا التحليق الرمزي ، إذ تداخل البعد الثقافي الحساني ، والعمق الإفريقي ، والدبلوماسية الدينية، والتنمية الميدانية ، مع الحجة القانونية والسياسية ، بما جعل السردية المغربية ذات قوة ومصداقية وتوافق دولي . فالدولة التي تحلّق بافتخار لا تحتاج إلى تبرير ذاتها ، بل إلى تحويل قضيتها العادلة إلى بنية متماسكة وقابلة للاستمرار داخل حقل المعنى العالمي .
أكيد أن القول بأن العنقاء المغربية تحلّق بافتخار في فضاء ملف الصحراء المغربية لا يندرج في إطار البلاغة الإنشائية ، بل يعبّر عن مسار تراكمي واع في إدارة أحد أعقد الملفات السيادية ، حيث أعيد إنتاج الشرعية باستمرار عبر التاريخ والتنمية والدبلوماسية والسرد ، لتغدو الرؤية الوطنية المغربية قوة فاعلة في التأثير ، داخل عالم تدار فيه النزاعات ، قبل كل شيء ، داخل حقل المعنى ، مع تثبيت الذاكرة الجماعية كأساس للشرعية والنجاعة على الصعيد الدولي .
