
يشكل النقاش الدائر حول صورة المغرب وإنجازاته ، لاسيما في ما يتعلق بتنظيم التظاهرات الكبرى ، مناسبة لطرح سؤال مركزي حول دور الصحافة المهنية في حماية المعطى الموضوعي من التشويش ، وفي ترسيخ ثقافة الاعتراف بالنجاح بدل الارتهان لمنطق التبخيس . فالتجربة المغربية في تنظيم كأس أمم إفريقيا لم تكن مجرد حدث رياضي عابر ، بل محطة كاشفة لقدرة الدولة المغربية على التدبير المحكم ، ولتراكم خبرات مؤسساتية وبشرية راكمها المغرب على مدى سنوات من العمل المتدرج والاستثمار في البنيات التحتية والموارد البشرية .
و إن المقاربة الأكاديمية لهذا الموضوع تقتضي التمييز بين النقد المشروع ، الذي يعد شرطا من شروط التطور ، وبين حملات التشويش التي تفتقر إلى الأساس المعرفي والمعطيات الميدانية ، وتستند إلى منطق الاصطفاف الإيديولوجي أو الحسابات السياسية الضيقة . فنجاح تنظيم تظاهرة قارية بحجم كأس أمم إفريقيا يقاس بمعايير دقيقة ، من قبيل الجاهزية اللوجستية ، وسلاسة التنظيم ، ومستوى الأمن ، وجودة الاستقبال ، وانعكاس الحدث على صورة البلد لدى الرأي العام الدولي ، وهي مؤشرات حظي فيها المغرب بإشادة دولية واسعة من الفاعلين الرسميين والرياضيين ووسائل الإعلام المتخصصة .

وفي هذا الإطار ، يبرز أن ترسيخ صحافة مغربية قوية وقادرة على القيام بدورها الوطني في مواجهة أعداء النجاح و التطور المغربي ، لا يمكن أن يتحقق دون تثمين فعلي لعمل الصحافة الوطنية المواطنة ، ودعمها ماديا ومؤسساتيا ورمزيا ، بما يعزز استقلاليتها المهنية ويرفع من قدرتها على إنتاج خطاب إعلامي رصين ومؤثر . فالرهان المفرط على بعض منصات التواصل الاجتماعي ، وعلى فاعلين غير مهنيين من اليوتيوبرز والمدونين ، مهما كانت قدرتهم على الانتشار السريع ، لا يمكن أن يعوض دور الصحافة المؤطرة أخلاقيا وقانونيا ، ولا يوفر الضمانات اللازمة للدقة والتوازن والتحقق من المعطيات .
وفي مواجهة هذه السياقات ، يندرج التصدي لمحاولات استهداف كل ما هو مغربي ضمن منطق الدفاع المشروع عن منجزات وطنية تحققت بالعمل والتخطيط والتراكم المؤسساتي وفق رؤية ملكية حكيمة . فخطابات معاداة النجاح ، مهما تعددت مصادرها وحدّتها ، تظل عاجزة عن التأثير في المسار العام للبناء والتحديث الذي اختاره المغرب نهجا استراتيجيا . ذلك أن مسيرة التنمية لا تتوقف عند الضجيج العابر ، بل تمضي بثبات مستندة إلى رؤية واضحة ، وإرادة جماعية ، ووقائع ميدانية تؤكد أن منطق الإنجاز أقوى من كل محاولات التشويش والتبخيس.
و في هذا السياق ، تبرز مسؤولية الصحافة المغربية في الانتقال من موقع رد الفعل الانفعالي إلى موقع الفعل المهني المؤسس على التحليل ، والتوثيق ، والمقارنة الموضوعية . فالصحافة ، بوصفها سلطة معرفية ورمزية ، مطالبة بتفكيك خطاب التشويش ، ليس عبر الخطاب التعبوي ، بل عبر تقديم المعطيات الدقيقة ، واستحضار السياق ، وربط الحدث الرياضي بمسار التنمية الشاملة التي يشهدها المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله في مجالات متعددة . كما أن هذا الدور لا ينفصل عن الدفاع عن المصلحة الوطنية ، باعتبارها جزءا من أخلاقيات المهنة ، لا نقيضا لها .
إن استهداف النجاحات المغربية من طرف خصوم وطننا الحبيب ، سواء في المجال الرياضي أو في غيره ، يعكس صعوبة تقبل التحولات التي تعرفها المملكة الشريفة ، وانتقالها المتدرج إلى موقع إقليمي فاعل ، قادر على تنظيم الأحداث الكبرى والمساهمة في إعادة رسم خريطة التظاهرات القارية والدولية . غير أن التجارب المقارنة تؤكد أن مسارات التحديث والتنمية لا تتوقف عند حملات التشكيك والتبخيس ، بل تتعزز بالعمل المتواصل ، وبالتراكم المؤسساتي ، وبالقدرة على تحويل الإنجاز الظرفي إلى سياسة عمومية مستدامة .
وعليه ، فإن الحاجة إلى صحافة مغربية قوية لا تنبع فقط من ضرورة الرد على حملات التشويش المغرضة ، بل من متطلبات اللحظة التاريخية التي يمر بها المغرب ، حيث لم يعد الرهان محصورا في تحقيق النجاح ، بل في تثبيته وتحصينه معرفيا وإعلاميا . فالإعلام المهني ، حين يشتغل بمنطق العقل والتحليل ، ويمنح ما يستحقه من دعم وتقدير ، يصبح شريكا في البناء ، ورافعة لتعزيز الثقة في الذات الجماعية ، وضمانة لاستمرار مسار التنمية والتحديث بثبات ووضوح وثقة.





