
لم يكن البلاغ الذي أصدرته وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، يوم الخميس 10 شتنبر 2026 ، مجرد توضيح دبلوماسي عابر بشأن التطورات الأخيرة في العلاقات المغربية الإسبانية، بل جاء في لحظة دقيقة تتقاطع فيها تداعيات أزمة الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة ، وكشف وثائق صادرة عن أجهزة الاستخبارات الإسبانية، وتصاعد الجدل السياسي والإعلامي داخل إسبانيا بشأن طبيعة المسؤولية عن تلك الأحداث. ولذلك، فإن قراءة البلاغ في سياقه الكامل تكشف أنه يحمل رسالة سياسية واستراتيجية تتجاوز واقعة سبتة نفسها، لتتصل بمستقبل الشراكة المغربية الإسبانية وقواعد إدارة الخلاف بين البلدين.
فمنذ البداية، يحرص البلاغ على تثبيت حقيقة أساسية، وهي أن المملكة المغربية اختارت، بصورة سيادية، بناء علاقة مع إسبانيا تقوم على حسن الجوار الجغرافي، والتفاهم السياسي، والشراكة الاقتصادية والتعاون الأمني. وهذه الإشارة ليست تفصيلا بروتوكوليا ، وإنما تمثل مفتاحا أساسيا لفهم الموقف المغربي؛ فالرباط لا تقدم الأزمة الراهنة باعتبارها انهيارا للشراكة، وإنما باعتبارها اختبارا لمدى قدرة الطرفين على حماية المسار الذي تم تدشينه منذ سنة 2022، حين دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة قائمة على الحوار والثقة والتعاون.
ومن منظور العلاقات الدولية، فإن استحضار مرجعية 2022 في لحظة توتر يحمل دلالة واضحة : المغرب يريد الفصل بين الخلاف حول ملف معين وبين الخلاف حول جوهر الشراكة. وهذا تمييز بالغ الأهمية ؛ لأن العلاقات الاستراتيجية لا تعني غياب الخلافات، وإنما تعني امتلاك آليات سياسية ومؤسساتية قادرة على تدبيرها دون السماح لها بتحويل العلاقة برمتها إلى أزمة مفتوحة.

وفي هذا الإطار ، يأتي ملف سبتة المحتلة في صدارة الإشكال الراهن. فقد رفض المغرب بصورة قاطعة الاتهامات التي تربطه بالتدفق الجماعي للمهاجرين خلال أواخر يوليوز 2026 ، مؤكدا عدم وجود معطيات أو وقائع أو تقارير تثبت تورط السلطات المغربية في تنظيم أو تسهيل تلك العملية. وفي المقابل، كشفت الوثائق الإسبانية التي رفعت عنها السرية أن أجهزة الاستخبارات الإسبانية كانت قد أبلغت جهات إسبانية ومغربية بوجود مؤشرات على تحركات جماعية محتملة، الأمر الذي جعل تدبير الأزمة موضوعا لنقاش سياسي ومؤسساتي داخل إسبانيا أيضا .
وهنا تتجلى إحدى أهم نقاط القوة في المقاربة المغربية، إذ لم يقتصر الموقف على نفي الاتهامات، بل دعا إلى تحقيق شامل يحدد ملابسات ما وقع، ويكشف أي تدخل أو تلاعب محتمل، ويحول دون تكرار الأحداث. ومن الناحية السياسية، يعني ذلك نقل النقاش من مستوى الانطباعات والاتهامات إلى مستوى الوقائع والأدلة والمسؤوليات. وهي مقاربة من شأنها، في حال اعتمادها، أن تساعد على تفكيك الأزمة بعيدا عن الاستقطاب السياسي والإعلامي الذي رافقها .
غير أن جوهر البلاغ يتجاوز سبتة إلى قضية أكثر حساسية، تتمثل في رفض المغرب أن يتحول إلى أداة في الصراع السياسي الداخلي الإسباني . فالخارجية المغربية تنتقد استمرار بعض الأوساط السياسية والإعلامية في توظيف المملكة في سياق أجندات داخلية، وتعتبر أن تحميل الرباط مسؤولية الأزمة دون أدلة واضحة قد يحولها إلى “كبش فداء” في عملية تصفية حسابات سياسية. وقد قرأت وسائل إعلام إسبانية هذه اللهجة باعتبارها رسالة غير مباشرة إلى قوى سياسية، وفي مقدمتها الحزب الشعبي، الذي يتخذ موقفا شديد الانتقاد من إدارة الحكومة الإسبانية للعلاقة مع المغرب.
وهذه النقطة تحديدا تستحق قراءة هادئة ؛ فالمغرب لا يعترض على وجود نقاش سياسي إسباني بشأن الهجرة أو الحدود أو الأمن، لأن هذه الملفات تدخل طبيعيا ضمن المجال السياسي الداخلي الإسباني، وإنما يعترض على تحويل العلاقة مع المغرب إلى مادة للمزايدة الحزبية. والفرق بين الأمرين جوهري؛ فالنقاش الديمقراطي مشروع، لكن توظيف العلاقات الخارجية في الصراع الداخلي قد يؤدي إلى إلحاق ضرر بمصالح استراتيجية تتجاوز عمر الحكومات والأحزاب .
ولعل هذا هو السبب الذي يفسر اللهجة غير المسبوقة نسبيا في بعض فقرات البلاغ، خصوصا عندما يحذر من أن بعض الأحزاب ذات الخبرة الحكومية قد تنزلق إلى منطق تصعيدي وشعبوي يهدد رصيد الثقة المتراكم بين البلدين. والرسالة هنا لا تبدو موجهة إلى الحكومة الإسبانية الحالية وحدها، وإنما إلى المشهد السياسي الإسباني برمته، بما فيه القوى التي يمكن أن تتحمل مسؤولية الحكم مستقبلا .
وفي المقابل ، يحرص المغرب على تذكير الرأي العام الإسباني بأن التعاون بين البلدين في مجالات الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب لم يكن أحاديا. فالعلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة أنتجت آليات تعاون وثيقة، كما أن مسؤولين إسبان سبق أن أشادوا بالدور المغربي في التعاون الأمني وإدارة ملف الهجرة. وهذا المعطى يجعل اختزال العلاقة في أزمة واحدة، أو تقديم المغرب باعتباره مصدر تهديد دائم ، قراءة تختزل شبكة واسعة من المصالح المشتركة .
ومن هنا ، فإن استحضار التعاون الاقتصادي والأمني في البلاغ يحمل بعدا تفاوضيا واضحا . فالمغرب يريد أن يذكر بأن العلاقة مع إسبانيا تقوم على تبادل المصالح والمسؤوليات، وليس على علاقة يكون فيها طرف مطالبا دائما بتقديم التنازلات أو تحمل تبعات الأزمات. وبذلك ينتقل الخطاب من منطق “إدارة إسبانيا لمشكلاتها مع المغرب” إلى منطق “الإدارة المشتركة لتحديات يفرضها الجوار الجغرافي والمصالح المتداخلة”.
أما قضية المهاجرين والقاصرين غير المصحوبين، التي أثارها البلاغ مجددا ، فتضيف بعدا آخر إلى النقاش . فالرباط تؤكد استعدادها لاستقبال الأشخاص الذين يمكن أن يشملهم الالتزام بإعادة القبول، كما تطالب بإعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين إلى أسرهم . وفي المقابل ، تظل عملية الإعادة مرتبطة أيضا بالأطر القانونية والإجرائية الإسبانية والأوروبية الخاصة بحماية القاصرين. ولذلك فإن هذا الملف يحتاج إلى معالجة مؤسساتية دقيقة بعيدا عن التوظيف السياسي، لأنه يجمع بين مقتضيات السيادة، والتعاون الدولي، واعتبارات حماية الطفولة.
واللافت في البلاغ كذلك أنه لا يذهب إلى خيار التصعيد الدبلوماسي المفتوح. فعلى الرغم من قوة العبارات المستخدمة، فإن المغرب لا يغلق باب الحوار، ولا يتراجع عن خيار الشراكة، بل يدعو إلى “الحس السليم” والحوار، ويؤكد أهمية الحفاظ على علاقة حسن الجوار والتفاهم السياسي والتعاون . وهذا يعني أن الرسالة المغربية تقوم على معادلة دقيقة يمكن اختصارها في عبارة : الصرامة في الدفاع عن المصالح الوطنية، والانفتاح في إدارة الشراكة.
إنها، في الواقع ، ليست دعوة إلى القطيعة ، بل إلى إعادة ضبط العلاقة . فالرباط تبدو حريصة على ألا تتحول أزمة سبتة المحتلة إلى نسخة جديدة من الأزمات التي طبعت العلاقات المغربية الإسبانية قبل مرحلة 2022 ، وفي الوقت نفسه لا تريد أن يُفهم تمسكها بالشراكة على أنه استعداد لقبول الاتهامات أو المزايدات دون رد .
ومن هذه الزاوية، فإن أكثر العبارات دلالة في البلاغ هي تلك التي تربط الجوار الجغرافي بالقدرة السياسية على تحويله إلى فرصة للمستقبل، وتحذر من أن غياب الرؤية الاستراتيجية قد يحوله إلى مصدر دائم لعدم الثقة والتوتر. وهذه الفكرة تحمل مضمونا يتجاوز الأزمة الحالية: الجغرافيا ثابتة، لكن طبيعة العلاقة التي تنتج عنها ليست قدرا محتوما ، وإنما هي ثمرة قرار سياسي .
فالمغرب وإسبانيا سيظلان، بحكم الموقع، جارين متلاصقين على ضفتي مضيق جبل طارق، لكن الجوار يمكن أن يتحول إلى فضاء للتعاون الاقتصادي والأمني والاستثماري والثقافي، كما يمكن أن يصبح مصدرا للتوتر إذا تم إخضاعه لمنطق الحملات الانتخابية والمزايدات السياسية.
ولذلك فإن البلاغ المغربي يمكن فهمه باعتباره محاولة لإعادة وضع العلاقة الثنائية داخل إطارها الاستراتيجي الأوسع، بعدما حاولت بعض الأصوات اختزالها في أزمة الهجرة إلى سبتة المحتلة . فالعلاقات بين الرباط ومدريد أكبر من ملف الهجرة، كما أن معالجة الهجرة نفسها لا يمكن أن تنجح دون تعاون البلدين. وهذا ما يجعل الاستقرار السياسي والثقة المتبادلة مصلحة مشتركة، وليس امتيازا لطرف على حساب آخر .
والسؤال الذي يطرحه البلاغ، في العمق، ليس ما إذا كان المغرب يريد الاستمرار في الشراكة مع إسبانيا ؛ فالموقف المغربي في هذا الجانب واضح، وإنما السؤال هو: هل تستطيع القوى السياسية الإسبانية، بمختلف توجهاتها، أن تتعامل مع هذه الشراكة باعتبارها خيارا استراتيجيا للدولة، أم ستظل بعض الملفات المرتبطة بالمغرب رهينة للحسابات الحزبية والانتخابية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة في تحديد مستقبل المرحلة المقبلة. فإذا نجح الطرفان في تحييد الملفات الاستراتيجية عن التجاذبات الظرفية، فإن أزمة سبتة المحتلة يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة بناء آليات التعاون وتطويرها. أما إذا استمر منطق الاتهام المتبادل والتوظيف السياسي، فإن خطر العودة إلى حالة من عدم الثقة سيظل قائما.
أكيد أن بلاغ 10 شتنبر 2026 يمثل ، قبل كل شيء ، رسالة دبلوماسية مغربية لإعادة رسم قواعد الشراكة مع إسبانيا : المغرب متمسك بالحوار ، حريص على حسن الجوار ، واعٍ بأهمية المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة ، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن يتحول إلى ورقة انتخابية أو كبش فداء في صراعات سياسية داخلية لا تعنيه.
إنها رسالة يمكن تلخيصها في معادلة سياسية واضحة: لا قطيعة مع مدريد، ولكن لا شراكة بلا احترام؛ لا رفض للحوار، ولكن لا حوار تحت ضغط الاتهام؛ ولا اعتراض على النقاش السياسي الإسباني، ولكن لا قبول بتحويل المغرب إلى مادة للمزايدات الانتخابية.
وبذلك، يضع البلاغ الطرف الإسباني أمام اختبار حقيقي للحكمة الاستراتيجية: فإما أن تنتصر الرؤية التي تعتبر المغرب شريكا استراتيجيا بحكم الجغرافيا والمصالح والتحديات المشتركة، وإما أن تنتصر الحسابات الظرفية التي قد تجعل من هذا الجوار مصدر توتر دائم. وفي الحالتين، ستظل الحقيقة الجغرافية قائمة : المغرب وإسبانيا جاران، لكن تحويل الجوار إلى شراكة مستقرة ومستدامة يظل قرارا سياسيا ومسؤولية مشتركة.





