على خلفية التوترات التي تشهدها منطقة التماس شمال الجارة الجنوبية، بين منقبين موريتانيين ومسلحين تابعين لجبهة “البوليساريو” الانفصالية، دعت السلطات الموريتانية، الثلاثاء، المنقبين التقليديين إلى إخلاء جميع مواقع التنقيب الواقعة على مسافة تقل عن عشرة كيلومترات من الحدود الموريتانية- الجزائرية، في أجل أقصاه أسبوع واحد؛ وذلك في خطوة احترازية تعكس تنامي المخاوف الأمنية في هذا الشريط الحدودي الحساس.
وجاء هذا القرار على لسان إدريسا دمبا كوريرا، والي تيرس زمور، خلال زيارة ميدانية قام بها رفقة القائد العسكري للمنطقة العسكرية الثانية إلى عدد من مناطق التنقيب الحدودية.
شدد دمبا كوريرا على ضرورة الالتزام الصارم بإجراءات السلامة، واحترام الأروقة المحددة من لدن وكالة معادن موريتانيا، ومزاولة نشاط التنقيب داخل الحوزة الترابية الوطنية. وأكد الوالي في الآن ذاته أن السلطات “تولي أهمية خاصة للتعدين الأهلي والعاملين به”، شريطة التقيد التام بالقوانين والأوامر المنظمة لهذا النشاط.
وتبرز هذه التطورات في سياق أمني معقد، خاصة أن المنطقة الشمالية من موريتانيا، ورغم تصنيفها ضمن المناطق المحظورة على المدنيين، فُتحت بشكل استثنائي أمام المنقبين الموريتانيين بقرار رئاسي، بالنظر إلى أهميتها الاقتصادية وارتباطها المباشر بمصدر عيش مئات الشباب؛ غير أن هذا الانفتاح الاستثنائي بات يصطدم بواقع هشاشة أمنية متزايدة، تغذيها تحركات مجموعات مسلحة تنشط في محيط المنطقة العازلة ومخيمات تندوف.
وتشهد هذه المناطق الحدودية، خلال السنوات الأخيرة، توافد أعداد متزايدة من المنقبين، باعتبارها من أهم أحزمة الذهب السطحي في المنطقة؛ ما جعلها مسرحا لاحتكاكات متكررة، في ظل غياب معطيات رسمية دقيقة من نواكشوط والجزائر حول طبيعة ما يجري ميدانيا.
وفي هذا الصدد، يطالب منقبون موريتانيون بضمان سلامتهم ووقف “الاعتداءات المتكررة وغير المبررة”، مؤكدين أن نشاطهم يمثل شريان حياة لفئات واسعة من الشباب القادمين من مختلف مدن البلاد.
وتعيد هذه الحوادث، حسب متابعين، تسليط الضوء على حالة الاضطراب المزمنة التي يعرفها محيط المنطقة العازلة شرق وجنوب الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، حيث سبق تسجيل وقائع دامية خلال الأشهر الماضية؛ ما يعكس، وفق قراءات إقليمية، خطورة ترك المجال مفتوحا أمام تحركات جماعات مسلحة غير نظامية، تستغل الفراغ الحدودي وتغذي مناخ عدم الاستقرار في المنطقة.
وأمام استمرار هذه التوترات، يطالب المنقبون الموريتانيون بتعزيز الوجود الأمني وتنظيم قطاع التعدين الأهلي بما يضمن حقوقهم وسلامتهم، في وقت تجد فيه السلطات الموريتانية نفسها أمام تحدٍّ مزدوج: الحفاظ على الاستقرار في منطقة بالغة الحساسية جغرافيا وأمنيا، وحماية مصدر دخل مئات الأسر، في محيط إقليمي يزداد تعقيدا بفعل أنشطة “البوليساريو” وما تفرضه من تهديدات عابرة للحدود.
