أبانت الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير، مرة أخرى، عن معدن المغاربة الحقيقي، حيث برز التضامن الشعبي والمؤسساتي في أبهى صوره، وتأكد أن قيم التكافل والوطنية لا تزال راسخة في وجدان المجتمع. ففي الوقت الذي كانت فيه المياه تجتاح الأحياء، وتُهدد الأرواح والممتلكات، هبّ المواطنون العاديون والسلطات العمومية، كل من موقعه، لمواجهة آثار الكارثة والتخفيف من معاناة المتضررين.
على أرض الواقع، سجل حضور قوي لرجال الأمن، القوات المسلحة الملكية، الوقاية المدنية، والسلطات المحلية، إلى جانب الجمعيات المدنية التي اشتغلت بإمكانات محدودة لكن بإرادة كبيرة. عمليات الإنقاذ، الإجلاء، وتأمين المناطق المتضررة تمت في ظروف صعبة، وبروح عالية من المسؤولية، عكست الوجه الحقيقي للدولة والمجتمع في لحظات الشدة.
في المقابل، فضحت هذه الأزمة غياب فئة واسعة من “المؤثرين” الذين يملؤون الفضاء الرقمي ضجيجًا في أوقات الرخاء، ويختفون تمامًا حين تصبح الحاجة الإنسانية أولوية. لم يُسجَّل لهم حضور ميداني يُذكر، ولا مبادرات تضامنية حقيقية، بل ظل أغلبهم بعيدًا عن المشهد، مكتفيًا بالصمت أو بحضور انتقائي في مناسبات ترفيهية ورياضية تضمن نسب مشاهدة وأرباحًا إعلانية. هذا الغياب طرح أكثر من علامة استفهام حول مفهوم “التأثير” وحدوده، وحول المسؤولية الأخلاقية لمن يتصدرون المشهد الرقمي.
الصحفيون، من جهتهم، كانوا في الصفوف الأمامية، ينقلون صورة الواقع كما هو، ويوثقون لحظات التضامن والبطولة، ويبرزون جهود الدولة والمواطنين دون تزييف أو تسويق شخصي. الصحافة المهنية أدت دورها كسلطة رابعة، شاهدة على الحدث، ومنحازة للحقيقة، بعيدة عن منطق الاستعراض والبحث عن “الترند”.
الرسالة التي حملتها فيضانات القصر الكبير كانت واضحة: الأزمات لا تفرز الأبطال الحقيقيين فقط، بل تفضح أيضًا الزيف. فالتأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين ولا بحجم الإعلانات، بل بالقدرة على الحضور في الميدان، والمساهمة الفعلية في خدمة المجتمع وقت الحاجة. من هذا المنطلق، يبرز النقاش حول ضرورة إعادة النظر في مكانة المؤثرين داخل الفضاء العام، ووضع ضوابط أخلاقية ومسؤوليات اجتماعية واضحة، تضمن أن يكون التأثير الرقمي مرتبطًا بالفعل التضامني الحقيقي، لا مجرد وسيلة للتربح.
لقد أثبتت الفيضانات، مرة أخرى، أن التضامن والوطنية هما العنوان الأصدق للمغاربة، وأن أبطال الوطن هم من يعملون بصمت في الميدان، من سلطات ومواطنين وصحفيين. أما التأثير الذي يغيب في لحظات الشدة، فيبقى مجرد صدى عابر، لا قيمة له حين يُختبر الضمير والمسؤولية.

