أخبار مكناس 24 – هيئة التحرير
يشهد القطاع التربوي بالمغرب في السنوات الأخيرة توجها متزايدا نحو توظيف الوسائل التكنولوجية الحديثة للحد من ظاهرة الغش في الامتحانات الإشهادية ، من خلال توظيف أنظمة المراقبة الرقمية ، والكاميرات ، وتقنيات تتبع السلوك داخل مراكز الامتحان . ويأتي هذا التوجه في إطار سعي وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى تعزيز مصداقية الشهادات الوطنية وضمان تكافؤ الفرص بين التلميذات والتلاميذ .
غير أن هذا الرهان ، على أهميته ، يثير نقاشا أعمق يتجاوز البعد التقني ، ليمسّ جوهر منظومة التقويم التربوي برمتها .
فظاهرة الغش في الامتحانات ، رغم أنها تقدّم غالبا كسلوك فردي غير سليم ، تعكس في الواقع ضغوطا بنيوية مرتبطة بطبيعة النظام التعليمي . فمركزية الامتحانات في تحديد المسار الدراسي ، والاعتماد الكبير على “المعدلات الرقمية” كمعيار شبه وحيد للانتقاء ، خصوصا للولوج إلى المعاهد والمدارس العليا والكليات ذات الاستقطاب المحدود ، يجعل من النقطة هدفا في حد ذاتها ، وليس مجرد مؤشر على مستوى التعلم . هذا الوضع يخلق ضغطا نفسيا واجتماعيا متزايدا على التلاميذ وأسرهم ، حيث يصبح النجاح مرهونا بتحقيق معدلات مرتفعة بأي وسيلة كانت .
في هذا السياق ، لا يبدو الغش مجرد انحراف فردي معزول ، بل نتيجة منطقية لمنظومة تقويم تُحمّل الامتحان ما لا يحتمل من أدوار انتقائية وتوجيهية . وكلما اشتدّ الضغط المرتبط بالمعدلات ، ارتفعت معه دوافع البحث عن وسائل التفوق ، بما في ذلك الوسائل غير المشروعة . وهنا يطرح السؤال الجوهري : هل يكفي تعزيز المراقبة التكنولوجية لمعالجة هذه الظاهرة ، أم أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير ؟
أكيد أن الاقتصار على الحلول التقنية ، رغم نجاعتها في الحد من بعض الممارسات المشينة ، لا يمسّ جوهر الإشكال . فالأزمة ترتبط أيضا بضعف تنوع أساليب التقويم ، وبالاعتماد المفرط على الامتحانات الإشهادية في قياس التعلمات ، مقابل تراجع تقييم الكفايات العملية مثل التفكير النقدي ، وحل المشكلات ، والعمل التعاوني . كما أن ثقافة “النقطة” التي تسود الفضاء المدرسي ساهمت في تحويل التعلم إلى سباق نحو الحصول على أعلى المعدلات ، بدل أن يكون مسارا لبناء المعرفة وتنمية القدرات .
إلى جانب ذلك ، فإن آليات الولوج إلى التعليم العالي تعمّق بدورها هذا الإشكال ، من خلال استمرار اعتماد المعدل كمعيار أساسي للانتقاء في العديد من التخصصات . وهو ما يجعل من الامتحان لحظة حاسمة تحدد المستقبل الدراسي والمهني للتلاميذ ، وتضاعف من حدة التنافس ، في سياق محدودية المقاعد وتزايد الطلب الاجتماعي على التمدرس العالي .
و في المقابل ، تُبرز تجارب دولية متعددة أن تجاوز هذه الإشكالات يمر عبر تنويع أدوات التقويم ، من خلال إدماج المشاريع الفردية والجماعية ، والأنشطة التطبيقية ، و” ملفات الإنجاز “، إلى جانب الامتحانات التقليدية . وهو ما يسمح بتقييم أكثر شمولية وإنصافا للمتعلمات و المتعلمين ، ويقلل من اختزال الأداء الدراسي في لحظة امتحانية مفصلية واحدة.
و دون شك أن معالجة ظاهرة الغش لا يمكن أن تنفصل عن البعد القيمي داخل المدرسة والمجتمع ، حيث تظل مسألة النزاهة والاستحقاق جزءا أساسيا من بناء السلوك التعلمي . فكلما ترسخت قناعة لدى المتعلم بأن قيمة النجاح ترتبط بما اكتسبه من معارف ومهارات ، وليس فقط بما حصل عليه من نقط ومعدلات ، تراجعت الحاجة إلى اللجوء إلى أساليب غير مشروعة .
وعليه ، فإن التكنولوجيا ، رغم أهميتها في ضبط السلوكيات خلال الامتحانات والحد من بعض مظاهر الغش ، تظل أداة مساعدة لا يمكن أن تعوض إصلاحا أعمق يمس فلسفة التقويم نفسها .
فالإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في كيفية مراقبة الامتحان ، بل في طبيعة الامتحان ذاته ، وفي موقع النقطة والمعدل المحصل عليه داخل المنظومة التعليمية .
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بمحاربة ظاهرة الغش ، بل بإعادة التفكير في معنى التقويم ودوره في بناء المدرسة المغربية . فبدون مراجعة شاملة لمنطق الانتقاء ، وتطوير أساليب التقييم ، وإعادة الاعتبار للكفايات بدل الأرقام ، ستظل التكنولوجيا قادرة على تقليص بعض مظاهر الغش ، لكنها عاجزة عن معالجة جذوره العميقة.