يحتل التلاميذ المغاربة اليوم صدارة المشهد المدرسي في إسبانيا، مسجلين حضوراً قياسياً بلغ 196,782 تلميذاً، ليتجاوزوا بذلك كافة الجنسيات الأجنبية الأخرى، بمن فيهم الطلاب من كولومبيا ورومانيا. وتأتي هذه الأرقام في وقت تشهد فيه المنظومة التعليمية الإسبانية تحولاً ديموغرافياً لافتاً في ظل حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، حيث سجل حضور التلاميذ الأجانب نمواً بنسبة 4.5% خلال عام واحد، في مقابل استقرار ملموس في العدد الإجمالي للتلاميذ، مما يؤكد أن مستقبل النظام التعليمي الإسباني أصبح مرتبطاً بشكل وثيق بمسارات الهجرة. هذا التدفق الكبير يضع تحديات ميدانية أمام الإدارة المحلية، لا سيما وأن حوالي 69% من هؤلاء التلاميذ يلتحقون بالمدارس العمومية، الأمر الذي يفرض ضغوطاً إضافية على الموارد التعليمية والخدمات التربوية واللغوية لمواكبة هذه الاحتياجات المتزايدة التي تتزامن مع سياسات الانفتاح التي تنهجها حكومة سانشيز تجاه الجاليات المهاجرة.
وفي خضم هذا الواقع، يستفيد التلاميذ من منظومة دعم متعددة المستويات، تتراوح بين منح حكومية موجهة للطلبة من دول شريكة كالمغرب، وأخرى اجتماعية مخصصة للمقيمين قانونياً تغطي تكاليف الدراسة والإقامة والنقل. وفي موازاة ذلك، يستمر البلدان في تنزيل برنامج “تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية” (PLACM)، الذي يغطي عشر جهات إسبانية بهدف صون الهوية الثقافية للتلاميذ. إلا أن هذا البرنامج بات في الآونة الأخيرة محط نقاش مجتمعي وسياسي متصاعد، حيث تواجه حكومة سانشيز ضغوطاً متزايدة حول آليات الاندماج؛ إذ تتباين وجهات النظر بين ضرورة الحفاظ على الجذور الثقافية للأجيال الصاعدة وبين أهمية الانخراط الكامل في المجتمع الإسباني وتجويد التمكن من لغته.
وقد انتقل هذا الجدل من الأروقة التربوية إلى السجال السياسي، حيث أثارت بعض الأنشطة المرتبطة بالبرنامج المدرسي، ولاسيما تلك التي تضمنت إشارات إلى ملفات ذات حساسية سياسية مثل “المسيرة الخضراء” والصحراء المغربية، ردود فعل متباينة. هذه المبادرات التعليمية التي يراها البعض تعزيزاً للارتباط بالوطن الأم في إطار الشراكة الاستراتيجية التي يدفع بها سانشيز، قوبلت بانتقادات من أطراف في المعارضة الإسبانية التي اعتبرتها خروجاً عن الأدوار البيداغوجية الصرفة. ومع استمرار هذا النقاش، تظل القضية التعليمية في إسبانيا مرآة لواقع سياسي واجتماعي معقد، حيث تحاول حكومة سانشيز التوفيق بين التزاماتها في تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع المغرب، وبين تدبير التوازنات السياسية والتربوية الداخلية التي تفرضها الهجرة كواقع بنيوي لا رجعة فيه.
