أخبار مكناس 24 – عبداللطيف نبيه
في مشهد امتزجت فيه مشاعر الاعتزاز بقيم الوفاء والاعتراف ، احتضن المعهد الجماعي للموسيقى والرقص بمكناس يوم الجمعة 3 يوليوز 2026 حفلا تكريميا احتفاءً بالموسيقار عازف آلة القانون الكبير الأستاذ مولاي إدريس الوزاني الشاهدي ، وذلك بمبادرة من جماعة مكناس ، وبحضور السيد الباشا المكلف بالتنسيق ، والسيد مدير المصالح ممثلا للسيد رئيس جماعة مكناس إلى جانب عدد من الفاعلين السياسيين و الثقافيين والجمعويين والإعلاميين ، وأفراد أسرة المحتفى به ، وثلة من الفنانين وطلبته ومحبيه .
ولم يكن هذا الحفل مجرد مناسبة للاحتفاء بمسار فني متميز بقدر ما شكل لحظة ثقافية وإنسانية ذات دلالات عميقة ، أعادت التأكيد على أن ثقافة الاعتراف ليست فعلا احتفاليا عابرا ، وإنما هي ممارسة حضارية تحفظ الذاكرة الجماعية ، وتنصف الرموز الذين جعلوا من المعرفة والفن رسالة حياة ، وأسهموا في بناء الإنسان وصناعة الوعي الجمالي .
فإذا كانت المدن العريقة تُقاس بما أنجبته من قامات علمية وثقافية وفنية ، فإن العاصمة الإسماعيلية مكناس تفخر بأحد أبنائها البررة ، الموسيقار الأستاذ مولاي إدريس الوزاني الشاهدي ، الذي ارتبط اسمه بآلة القانون منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي ، حتى غدا واحدا من أبرز روادها بالمغرب ، وأحد المساهمين في ترسيخ حضورها داخل المشهد الموسيقي الوطني .
فلقد بدأت رحلة المحتفى به مع آلة القانون سنة 1957، مدفوعا بشغف فطري وحب عميق للموسيقى ، في مسار عصامي جسد فيه أن الإرادة الصادقة قادرة على صناعة التميز . ولم تكن آلة القانون بالنسبة إليه مجرد أداة للعزف ، بل كانت لغة للتعبير ، وفضاء رحبا للإبداع ، ورفيقة درب امتدت لعقود من العطاء .
وازداد هذا المسار رسوخا بالتحاقه سنة 1963 بالمعهد البلدي للموسيقى والرقص بمكناس ، أول معهد بالمغرب احتضن تدريس آلة القانون، حيث جمع بين التكوين الأكاديمي الرصين والموهبة الفطرية ، ليؤسس لنفسه تجربة فنية متميزة جعلته يحتل مكانة مرموقة بين أعلام الموسيقى المغربية والعربية .
غير أن القيمة الحقيقية لمسيرة الأستاذ مولاي إدريس الوزاني الشاهدي لا تختزل في تميزه كعازف وموسيقار فحسب ، بل تتجلى أيضا في عطائه التربوي ، إذ أشرف على تكوين أجيال من الفنانين الذين نهلوا من علمه وخبرته ، وحملوا مشعل الموسيقى إلى مختلف ربوع الوطن . فكان بالنسبة إلى طلبته أستاذا وموجها ومرجعا فنيا ، يجمع بين الانضباط الأكاديمي والبعد الإنساني ، ويؤمن بأن التربية الموسيقية مدخل أساس لبناء الذوق وصقل الوجدان وترسيخ قيم الحوار والانفتاح .
كما ظل المحتفى به نموذجا للفنان الذي اقترنت موهبته بنبل الأخلاق ، فاستحق محبة كل من عرفه ، لما تحلى به من تواضع ودماثة خلق وإخلاص في أداء رسالته الفنية والتربوية . ولم يقتصر أثره على فضاءات التعليم والتكوين ، بل امتد إلى أسرته التي جعل منها مدرسة لغرس قيم الاجتهاد والاستقامة واحترام الآخر وحب الوطن ، إيمانا منه بأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع يمكن أن ينجزه المرء في حياته. 
ويرتبط اسم الأستاذ مولاي إدريس الوزاني الشاهدي ارتباطا وثيقا بمدينة مكناس ، التي احتضنت بداياته وشكلت فضاء تكوينه الثقافي والإنساني . فمن أحيائها العتيقة وأسوارها التاريخية وأبوابها الشامخة استلهم عشقه للموسيقى والإبداع ، وظل وفيا لها ، مساهما في إشعاعها الثقافي والفني على المستويات المحلية والوطنية .
لقد أكد هذا الحفل أن تكريم المبدعين لا يمثل مجرد احتفاء بأشخاص ، بل يعكس وعيا جماعيا بأهمية صيانة الرأسمال الرمزي للمدينة ، وتثمين مساهمة روادها في صناعة هويتها الثقافية ، كما يجسد توجها مؤسساتيا يجعل من ثقافة الاعتراف أحد مرتكزات تدبير الشأن الثقافي المحلي ، ويعزز مكانة مكناس باعتبارها مدينة للعلم والفن والإبداع .
واكتسى اختيار المعهد الجماعي للموسيقى والرقص بمكناس لاحتضان هذا الحفل التكريمي دلالة رمزية خاصة ، باعتباره المؤسسة التي شكلت ، على امتداد عقود ، فضاءً لتكوين الأجيال وصقل المواهب ، وحصنا لصيانة التراث الموسيقي الوطني ، فضلا عن ارتباطها الوثيق بالمسار الفني والتربوي للمحتفى به .
وقد تميزت هذه التظاهرة بحسن التنظيم ودقة الإعداد ، تحت الإشراف المباشر للسيدة مديرة المعهد الجماعي للموسيقى والرقص ، التي قادت ، بمعية السيد رئيس المصلحة الثقافية و الأطر الإدارية والتربوية العاملة بالمعهد ، عملا مؤسساتيا متكاملا عكس مستوى عاليا من الكفاءة والاحترافية ، وأسهم في إخراج هذا الحفل في صورة تليق بقيمة الأستاذ مولاي إدريس الوزاني الشاهدي وبمكانته في تاريخ الموسيقى المغربية .
كما شكلت هذه المبادرة ، التي أطلقها السيد رئيس جماعة مكناس ، تجسيدا لوعي مؤسساتي متقدم يجعل من تكريم المبدعين خيارا استراتيجيا في تدبير الشأن الثقافي المحلي ، ويؤكد أن الوفاء للرواد ليس مجرد واجب أخلاقي ، بل استثمار في الذاكرة الجماعية ، وترسيخ لقيم الاعتراف ، وتحفيز للأجيال الصاعدة على مواصلة مسيرة الإبداع والعطاء .
ويبقى الأستاذ مولاي إدريس الوزاني الشاهدي واحدا من الأسماء التي تركت بصمة راسخة في تاريخ التربية الموسيقية بالمغرب ، وستظل تجربته مصدر إلهام لكل من يؤمن بأن الفن رسالة سامية ، وأن الموسيقى ليست مجرد أنغام ، بل لغة للجمال ، وأداة لبناء الإنسان ، وجسر لترسيخ قيم الحوار والتسامح والانفتاح .
أكيد أن هذا الحفل ، شكل بكل ما حمله من رمزية وحفاوة ، رسالة وفاء لرجل نذر حياته لخدمة الموسيقى والتربية والثقافة ، ورسخ ، بعطائه المتواصل ، مكانته في ذاكرة مكناس الثقافية .
وهكذا، لم يكن تكريم مولاي إدريس الوزاني الشاهدي تكريما لشخصه فحسب ، بل كان تكريما لجيل من الرواد الذين صنعوا تاريخ الموسيقى المغربية ، وأسهموا في بناء رأسمالها الثقافي ، مؤكدين أن المدن لا تُخلَّد فقط بمعالمها العمرانية، وإنما أيضا برجالاتها ونسائها الذين يضيئون صفحات تاريخها بالإبداع والعطاء .

