فقدت المملكة المغربية عامة والعاصمة الإسماعيلية مكناس خاصة والقوات المسلحة الملكية واحداً من أبرز قادتها العسكريين الذين ارتبطت أسماؤهم بمحطات مفصلية في تاريخ الدفاع عن الوحدة الترابية؛ إنه الجنرال دوبريكاد الحسين مزرد، ابن منطقة إيموزار مرموشة، الذي وافته المنية تاركاً خلفه إرثاً من الشجاعة والوفاء، وسيرة عطرة تُدرس في كتب البطولة العسكرية. ويظل اسم الحسين مزرد مقترناً بمعركة “بئرانزران” الخالدة التي وقعت يوم 11 غشت 1979، تلك الملحمة التي خاضها وهو لا يزال برتبة “كوموندو” (رائد)، حيث وقف ومعه حوالي 800 جندي من القوات المسلحة الملكية سداً منيعاً أمام هجوم كثيف شنه حوالي 3000 من عناصر المرتزقة، مدججين بعتاد ثقيل ومتطور.
طوال 12 ساعة من المواجهات الضارية، أظهر مزرد حنكة قيادية استثنائية وشجاعة ميدانية نادرة؛ حيث نجح في الحفاظ على تماسك صفوف جنوده رغم التفاوت الكبير في العدة والعدد، وقاد دفاعاً مستميتاً لحماية المدنيين في قرية بئرانزران، محولاً جنوده إلى دروع بشرية لحماية المستضعفين، ومسجلاً بذلك نصراً عسكرياً ساحقاً أدى إلى دحر العدو وتدمير أكثر من 60 عربة وأسر المئات منهم. ولم تمر هذه البطولة دون تقدير؛ ففي شتنبر من عام 1979، حظي الحسين مزرد بتوشيح ملكي رفيع من طرف الراحل الحسن الثاني، الذي قلده “وسام نجمة الحرب” في القصر الملكي بإفران، تقديراً لبسالته في المعركة، كما نال ترقية استثنائية إلى رتبة “ليوتنون كولونيل”، ليتدرج بعدها في الرتب العسكرية بفضل تفانيه وإخلاصه وصولاً إلى رتبة “جنرال دوبريكاد”.

إن رحيل الجنرال مزرد ليس مجرد فقدان لقائد عسكري، بل هو استحضار لمرحلة ذهبية من تاريخ الجيش المغربي، حيث كان أمثال مزرد والغجدامي والعابدي والعلام يشكلون خط الدفاع الأول عن حياض الوطن. لقد كان الراحل مثالاً للضابط الذي جمع بين التواضع والصرامة، وبين الانتماء العميق لجذوره والولاء المطلق للعرش وللقوات المسلحة الملكية. إن التاريخ لا ينسى صناع المجد، والجنرال الحسين مزرد سيظل حاضراً في ذاكرة المغاربة كرمز للصمود والوطنية الصادقة، ورجل جعل من حياته فداءً لأرض الوطن، ليبقى اسمه محفوراً في سجل الأبطال الذين صانوا أمانة الأرض. رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه الصبر والسلوان، “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
