أخبار مكناس 24 – هيئة التحرير
ليست التظاهرات الثقافية مجرد فضاءات للفرجة والترفيه، ولا تقتصر وظيفتها على استقطاب الجمهور أو استضافة الفنانين، بل أصبحت، في التجارب الحديثة، مؤشرا حقيقيا على جودة الحكامة المحلية ، ومرآة تعكس مدى قدرة المؤسسات على التخطيط والتدبير والتواصل وإشراك مختلف الفاعلين. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الذي يرافق تنظيم مهرجان عيساوة بمدينة مكناس يتجاوز حدود تقييم دورة من دورات المهرجان، ليطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمنهجية تدبير الشأن الثقافي المحلي .

فالإشكال لا يتعلق بالأشخاص في حد ذاتهم، ولا يروم إصدار أحكام مسبقة على النوايا، وإنما يرتبط بمدى احترام المبادئ التي تقوم عليها الحكامة الجيدة، وفي مقدمتها الكفاءة، والاستحقاق، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها مبادئ دستورية تشكل أساس تدبير المرفق العام وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.
لقد جعل دستور المملكة لسنة 2011 من الحكامة الجيدة ركيزة أساسية في تدبير الشأن العام، كما أكد النموذج التنموي الجديد أن الرأسمال الثقافي يشكل أحد أهم مكونات الرأسمال اللامادي للمغرب، وأن الاستثمار في الثقافة ليس ترفا، بل خيارا استراتيجيا يساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويعزز الهوية الوطنية، ويقوي جاذبية المدن .
وانطلاقا من هذا التصور ، فإن تدبير مهرجان يحمل اسم عيساوة، باعتباره أحد أبرز المكونات الروحية والتراثية لمدينة مكناس، و الذي ينظم هذه السنة تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله ، لا ينبغي أن ينحصر في إعداد منصة للعروض الفنية، بل يقتضي رؤية ثقافية متكاملة، تقوم على تثمين التراث اللامادي، وإشراك الباحثين والمختصين، والانفتاح على الفاعلين الثقافيين والإعلاميين، واعتماد تواصل مؤسساتي يحترم الجميع ويكرس مبدأ تكافؤ الفرص.
ولعل ما تفرزته هذه الدورة من نقاشات وانتقادات يؤكد أن نجاح أي مهرجان لم يعد يقاس بعدد السهرات أو الأسماء الفنية المشاركة، وإنما يقاس أيضا بجودة الحكامة، وشفافية التدبير، واحترام الشركاء، وحسن تدبير المال العام، وفعالية التواصل مع وسائل الإعلام، باعتبارها شريكا أساسيا في التعريف بالمهرجان وإبراز إشعاع المدينة.
أكيد أن الثقافة أصبحت اليوم قطاعا متخصصا له آلياته العلمية ومنهجياته الحديثة، يقوم على التخطيط الاستراتيجي ، وإدارة المشاريع الثقافية ، والتسويق الترابي ، والدبلوماسية الثقافية ، وحماية التراث المادي واللامادي. ولذلك، فإن نجاح المشاريع الثقافية يظل رهينا بوجود كفاءات تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على قيادة هذا الورش وفق رؤية مؤسساتية واضحة ، بعيدا عن الارتجال أو منطق العلاقات الشخصية أو الحسابات الظرفية .
ولا يمكن الحديث عن إشعاع مدينة مكناس دون استحضار مكانتها التاريخية ، وما تزخر به من مؤهلات حضارية وثقافية تجعلها قادرة على احتضان تظاهرات ذات بعد وطني ودولي. غير أن هذه المؤهلات تحتاج إلى حكامة ثقافية حديثة تجعل من المهرجانات فضاءات للإبداع والتعريف بالتراث، لا مناسبات لإثارة الجدل أو إنتاج نقاشات كان بالإمكان تفاديها بمنهجية أكثر انفتاحا وتشاركية.
وفي هذا السياق ، يقتضي الإنصاف تثمين الجهود التي تبذلها السلطات الإقليمية، وعلى رأسها السيد عبد الغني الصبار، عامل عمالة مكناس، من أجل دعم الدينامية الثقافية بالمدينة والارتقاء بها، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية التي جعلت من الثقافة رافعة للتنمية، وعنصرا أساسيا في تعزيز الرأسمال اللامادي للمملكة
و دون شك أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهينا بوجود تدبير مهني قائم على الكفاءة والتخصص، وبالقدرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة تعكس مكانة العاصمة الإسماعيلية.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في تنظيم مهرجان ، بل في بناء نموذج للحكامة الثقافية يجعل من كل تظاهرة تحظى بالرعاية الملكية السامية مناسبة لترسيخ الثقة، وتعزيز المشاركة، واحترام الفاعلين، وترشيد الإنفاق العمومي، وإبراز الصورة الحضارية لمكناس بعيدا عن البهرجة و الارتجال .
فالتاريخ وحده لا يصنع الإشعاع ، والموارد المالية وحدها لا تحقق النجاح، والبرمجة الفنية مهما بلغت جودتها لا يمكن أن تعوض غياب الحكامة . وحدها الكفاءة ، التخصص والتخطيط، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، قادرة على تحويل الثقافة إلى قوة ناعمة حقيقية، وإلى رافعة للتنمية المستدامة، بما ينسجم مع الرؤية الملكية المتبصرة لبناء مغرب حديث، يجعل من الثقافة استثمارا في الإنسان، وفي الهوية، وفي المستقبل.
