يخلف مهرجان مكناس في كل دورة أبعاداً ثقافية وفنية تضفي حيوية خاصة على العاصمة الإسماعيلية وتعزز مكانتها كقطب سياحي وثقافي بامتياز. غير أن الإشعاع الثقافي لهذه التظاهرة الكبرى يواجه للأسف ممارسات سلبية تعكر صفوها وتفرغ أهدافها النبيلة من محتواها، ليجد المهرجان نفسه رهيناً لمفارقات تنظيمية واستغلال مقيت يضرب في العمق مصداقية تدبير الشأن الثقافي المحلي.
وفي هذا السياق، يعيش المهرجان على وقع مفارقة صارخة؛ فبينما يشتكي العموم من محدودية التذاكر المتاحة عبر الموقع الرسمي، تغص ساحة المهرجان بحشود بشرية ضخمة تتجاوز أعدادها أربعة أضعاف ما تم سحبُه رسمياً، مما يتسبب في صدمة وإرباك كبيرين للمنظمين أمام هذا الكم الهائل من المتابعين. ويعود سبب هذه الفوضى العارمة إلى تسريب بيع دعوات الحضور بالمئات علانية عبر فضاءات التواصل الاجتماعي وتحديداً منصة فيسبوك، حيث تعرض هذه البطاقات –التي يفترض أن تكون مجانية– بأثمنة زهيدة محددة في 70 درهماً لدعوات الفئة العادية (Invité) و100 درهم لدعوات الفئة الذهبية (Gold).
وتطرح هذه التجاوزات استفهامات حارقة ومشروعة حول الجهة المسؤولة عن تسريب هذا الكم المهول ووقوعه في أيدي “الشناقة” والمضاربين الذين اتخذوا منها تجارة موسمية للربح السريع على حساب حقوق المواطنين ومبدأ تكافؤ الفرص. وأمام هذا الوضع، بات لزاماً على السلطات المختصة فتح تحقيق شامل ودقيق للوقوف على خلفيات هذا التسريب المفضوح، وتحديد المتورطين وترتيب الجزاءات القانونية بالضرب من حديد على كل من خولت له يده الاتجار في الدعوات المجانية واستغلالها للسمسرة، حمايةً لمصداقية التظاهرة وردعاً لكل أشكال العبث بالمقدرات الثقافية للمدينة.
