يشهد قطاع النقل الحضري بمدينة مكناس تحولات جذرية بعد القرار الحاسم الذي اتخذه مجلس الجماعة القاضي بفسخ عقد التدبير المفوض مع شركة سيتي باص، وذلك على خلفية أزمة حادة تضرر منها المواطنون بشكل مباشر جراء تراجع جودة الخدمات. وفي هذا السياق، قدم رئيس مجلس الجماعة، السيد عباس الومغاري، توضيحات شاملة للرأي العام المحلي كشف من خلالها عن الأسباب والخلفيات الحقيقية التي دفعت المجلس إلى اتخاذ هذه الخطوة القانونية والإدارية الصارمة لضمان استمرارية المرفق العمومي وحماية مصالح السكان.
وتعود جذور العقد الأصلي إلى سنة 2005 لمدة 15 سنة، قبل أن يتم تمديده بملحق إضافي كان من المفترض أن ينتهي أواخر سنة 2027، غير أن الإخلالات المتكررة للشركة دفعت السلطات المنتخبة إلى التدخل الحازم. وقد عرف العقد عدة تعديلات، أبرزها ملحق سنة 2020 الذي ألزم الشركة بتجديد الأسطول وتوفير حافلات مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة وتحديث الاستثمارات، إلا أن الشركة نكست بعهدها وتراجعت عن الوفاء بالتزاماتها، حيث انخفض عدد الحافلات العاملة في الشوارع من الحد الأدنى القانوني المحدد في 110 حافلات إلى 37 حافلة فقط في فترات حرجة، مما خلق أزمة نقل خانقة بالمدينة، فضلاً عن غياب نظام البيع المسبق وتدهور الحالة الميكانيكية للحافلات وانعدام شروط السلامة والراحة للمرتفقين.
وعلى مستوى التسعيرة، أوضح رئيس المجلس أن الشركة وضعت شروطاً تعجيزية تمثلت في المطالبة بالرفع من سعر التذكرة، وهو المقترح الذي واجهه مجلس الجماعة ووزارة الداخلية برفض قاطع، نظراً لاستفادة الشركة من دعم سنوي مخصص للمحروقات ودعم آخر خاص بالطلبة، وحرصاً على القدرة الشرائية للمواطنين وتجنيبهم أعباء مالية إضافية لا تحمد عقباها.
ولفرض احترام مقتضيات العقد، سلكت الجماعة كافة المساطر القانونية المؤطرة لمثل هذه النزاعات، عبر توجيه إنذارات رسمية متكررة، وتوثيق الإخلالات والمخالفات بواسطة أعوان قضائيين، وفرض غرامات مالية تصاعدية بلغت نحو 50 مليون درهم، لتتوج هذه المسارقات بتفعيل مقتضيات المادة 44 المتعلقة بإسقاط حق الامتياز بعد سنة ونصف من التتبع الدقيق والعمل الميداني.
ولمواجهة الفراغ المحتمل وضمان استمرارية المرفق، تعتزم الجماعة إحداث شركة تنمية محلية لتدبير قطاع النقل الحضري على المدى البعيد، مع اعتماد صيغة تسيير مؤقت عبر وكالة لمدة لا تتجاوز ستة أشهر في انتظار الشروع الفعلي للمشغل الجديد في مهامه، مدعومة بخطة هيكلية لاقتناء 150 حافلة جديدة بشراكة مالية ودعم من وزارة الداخلية، فضلاً عن إحداث مجموعة للجماعات الترابية تضم مكناس والجماعات المجاورة لتحقيق تكامل جهوي يضمن استدامة الخدمات بشكل منظم.
وفي الجانب الاجتماعي الذي يحظى بالأولوية القصوى، شدد المسؤول الأول عن الجماعة على أن حقوق نحو 400 عامل ومستخدم ستظل مصونة ومحمية بالكامل، حيث ستتولى الوكالة المؤقتة صرف الأجور المتأخرة وضمان إدماج العاملين في المنظومة المستقبلية مع الاحتفاظ بمكتسباتهم وخبراتهم المهنية المكتسبة.
وتجدر الإشارة إلى أن شركة سيتي باص ستتحمل كافة التكاليف والخسائر المالية المترتبة عن مرحلة التسيير المؤقت بناءً على المقتضيات القانونية والتعاقدية الجاري بها العمل، في خطوة تعكس إرادة سياسية ومؤسساتية قوية لطي صفحة التدبير المتعثر وفتح آفاق واعدة لقطاع النقل الحضري ترقى لتطلعات ساكنة عاصمة الإسماعيلية.
