أخبار مكناس 24 – متابعة للشأن المحلي بمكناس محسن الأكرمين.
من الأكيد أن مدينة مكناس باتت رقما عاليا في معادلات التنشيط الثقافي والفني السنوي، وذلك من خلال النسخة الثانية (المعدلة) بالإحياء وإعادة التوظيف من فعاليات مهرجان عيساوة “مقامات وإيقاعات عالمية”. فلا أحد يُنكر مدى الأهمية التي يصنعها المهرجان، سواء من حيث التسويق لجمالية المدينة التاريخية، وكذا لتراثها المادي واللامادي، أو من خلال التنشيط الفني والثقافي والسياحي، وتلك الحركة التجارية (حتى وإن كانت بقسط من الجشع والأثمنة غير المعقولة).
من فَضل القول، أن مهرجان عيساوة “مقامات وإيقاعات عالمية” يخلق الحدث في مدينة الصمت والسكون، ومنه باتت مكناس تستمد أكسجين الثورة على الرتابة والسكونية وحتى من أخبار التفاهة والبلاهة، وتنفض المدينة غُبار التقادم عن معالمها التاريخية، وتُعيد إحياء ذاكرة التراث اللامادي الشعبي وتصوف الزوايا بالكتابة والنقل. كل هذه المستملحات لن تمنعنا البتة من توجيه عدة ملاحظات ذات أهمية، ويمكن اعتبارها من أرشيف المهرجان اللاحق، إن لم يتم الأخذ بمراميها الفضلى (الدورة 3 المعدلة).
لن نتكلم في هذا المقال عن الأثر المليح من مهرجان عيساوة لأن المشاهدة العددية التراكمية جزء أصيل في ترتيب مؤشرات النجاح. ولكني اليوم أفسح المجال لعدة ملاحظات ذات أهمية، وتتشكل أولا في حديثنا عن قواسم تحقيق معايير النجاح والجودة في الأداء والتنظيم،
فالبداية لن تكون بالبعد عمَّا سجله (إعلام الشارع) في المواقع الاجتماعية الإليكترونية من ارتباك محدود في التنظيم والتوجيه، وتأثيث فضاء ساحة الهديم، لكنى سأجد مخرجا للمنظمين حين اختلطت معايير الدعوات المجانية (VAP) وبكثرة وفيرة، وبطاقات الأداء في ساحة مفتوحة، وبالشكل المفضوح على تسجيل كل الاختلالات التنظيمية، والتجاوزات التي لا دخل للمنظمين فيها.
نعم، فالقصد التفضيلي من تذاكر الأداء هو دعم ميزانية المهرجان، لكن هذا الاتجاه أربك المنظمين حين تم احتلال الكراسي من طرف الدعوات التي كانت تُمطر الساحة بقدرة قادر من كل فج عميق بالجهة!!! وبات كل من أدى واجب المشاهدة المادي (100/300 درهما) في منأى عن تلك الصفوف الأمامية ذات الامتياز الطبقي والتفضيل الجهوي!!! صراحة كما قال الصديق يوسف السوحي الصحفي المهني (لا يمكن أن يختلط الزيت بالماء) فقد كان من الأحرى أن تكون منصات الأداء مغلقة (مثلا في قاعة المسيرة الرياضية أو في الملعب الشرفي…) بينما تظل الفرجة الشعبية العيساوية مفتوحة للجميع وبدون كراسي تمثل الطبقية والامتيازات القرينة بالقرب أو البعد من جهة المنظمين.
ليس من الضروري نجاح المهرجان بوجه غنائي مشرقي (وائل جسار) والذي أشعل (القُوقْ) في رؤوس المنظمين (باغِي باقي رزقي عملة صعبة)، بل مكناس وطيلة امتدادها التاريخي تتميز بالتنوع الفني والثقافي كوجه امتياز لذاكرة هذه المدينة. فقد تكون احتفالية عيساوة جزء أساس من البرنامج العام وبدون خلق التخمة المفرطة في سهرات عيساوة، والإقحام المفبرك على المنصات، لأن عنوان المهرجان (تِيمَةٌ) وليس توصيف البداية والنهاية. هنا يجب التأكيد على التنوع الفني والثقافي بذات المدينة، والذي يمثل التراث الموروث وليس اللامادي بالصفة، فالمدينة تُمثل رمزية الملحون، والتراث الأمازيغي، والفن الموسيقي ذي الروافد اليهودية، وأهل التوات (فن المديح والانشاد الديني)، وكذا الدقة الحمدوشية (سيدي علي بن حمدوش)، ولما لا كناوة والذاكرة الشعبية في مواسم المدينة.
من المفارقات التي نُسوقها أننا نشغل (55) فرقة حضرية عيساوية!!! ونغفل بالتمام التراث العيساوي القروي(البدوي) ومدى براءته من كل المحسنات الجديدة والاقتحامات في الاستعراضات الفولكلورية. لا نختلف في تشغيل الفرق العيساوية، ولكن نختلف في أن تبيت هذه العادة ثقلا على المنظمين. لأن مهرجان عيساوة “مقامات وإيقاعات عالمية” فن وثقافة وصوفية، وليست بمبادة (أوراش) لتشغيل عيساوة.
قد يبدو الأمر فيه نوع من التجني على الفرق العيساوية، لكن هي ذي الحقيقة التي لا يمكن السكوت عنها، في ظل العمل على قتل البراغماتية الفردية النفعية والقطع مع عادة إنشاء (مهرجان لأوراش عيساوة). الأصل الأول هو في تسويق المدينة باعتباراتها التاريخية والتراثية، وإعادة إحياء وتوظيف تنوعها الفني والثقافي والفكري والإثني واللغوي. نعم يجب تسويق مكناس أولا بدل استملاح ملامح الأشخاص بعينهم، وتلك الفرق العيساوية مهما كان (امْقدمها) أو سجلها التاريخي (الحضري).
من العيب أن تبقى اللجنة المنظمة منغلقة حول ذاتها وكأنها (صانعة أحلام) بمدينة الطلاسيم، بل المنطق يقتضي التشاور والتحاور الرحب، وفتح باب الرأي والرأي الآخر. فلا يعقل أن يكون الافتتاح يسهلك زمنا غير منتظم، ففي الافتتاح هنالك ضيوف شرف وهيئات متنوعة ووفد رسمي، ومن الرأفة بضيوف الافتتاح الرحمة بعدم تجاوز فترة الافتتاح (1.30) ساعة وتمثلها الدخلة العيساوية فقط، وبه ينتهي حضور يوم الافتتاح للوفد الرسمي، ومن بعده يمكن أن يستمر المهرجان في فقراته الثانية المتنوعة.
هي إشارة فريدة واحدة للمنظمين من بين إشارات أخرى متنوعة، وحتى لا نبخس الناس حقهم فتحية لكل من كان في ميدان التنظيم والواجهة الأمامية لإنجاح النسخة الثانية (المعدلة) من مهرجان عيساوة “مقامات وإيقاعات عالمية”.
