أخبار مكناس 24 – هيئة التحرير
يشكل النقل الحضري أحد أهم المرافق العمومية ارتباطا بالحياة اليومية للمواطنين، بالنظر إلى دوره في ضمان التنقل والوصول إلى أماكن العمل والدراسة والعلاج والإدارات ومختلف الخدمات. لذلك، فإن أزمة النقل التي عاشتها مدينة مكناس خلال الأشهر الماضية لم تكن مجرد تعثر تقني عابر، وإنما تحولت إلى إشكال اجتماعي ومجالي فرض نفسه بقوة على أجندة التدبير المحلي، وأصبح تجاوزه يتطلب قرارات حاسمة ورؤية جديدة قادرة على إعادة بناء الثقة وضمان استمرارية المرفق العمومي.
وفي هذا السياق، جاءت الندوة الصحفية التي عقدها رئيس جماعة مكناس السيد العباس الومغاري لتقديم المعطيات الرسمية المرتبطة بهذا الملف، وتنوير الرأي العام المحلي والوطني حول حقيقة الأزمة ومسار معالجتها، بما يضع حدا للتأويلات غير الدقيقة والشائعات.
ويكتسي هذا التواصل أهمية خاصة في ملف يمس الحياة اليومية لآلاف المواطنين، إذ إن توفير المعلومة الدقيقة والمسؤولة يشكل جزءا أساسيا من الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالتواصل والإنصات.
وترجع جذور الأزمة إلى مسار طويل من التدبير المفوض للنقل الحضري، حيث انطلقت العلاقة التعاقدية مع شركة «سيتي باص» سنة 2005، قبل تجديد العقد سنة 2015، على أساس أن يستمر إلى غاية أكتوبر 2027. غير أن مستوى الخدمات عرف خلال الفترة الأخيرة تراجعا متسارعا ، امتد لأكثر من سنة ونصف، قبل أن تبلغ الوضعية مرحلة أصبحت فيها الشركة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، لتنتهي بتوقف خدماتها وإعلان إفلاسها، وهو ما خلف فراغا حادا في النقل الحضري وأدخل المدينة في أزمة استمرت لأشهر.
وأمام هذه الوضعية، اتجهت رآسة جماعة مكناس إلى تفعيل المساطر القانونية اللازمة، حيث تم اتخاذ قرار فسخ العقد بعد استنفاد الإجراءات القانونية، كما جرى تفعيل مسطرة الغرامات منذ حوالي سنة ونصف، لتبلغ قيمتها الإجمالية، إلى حدود تاريخ الندوة، قرابة خمسة مليارات سنتيم، مع إمكانية ارتفاعها تبعا للأضرار والاختلالات المستمرة. ولا تعكس هذه الإجراءات مجرد معالجة لجوانب قانونية ومالية، وإنما تؤشر على إرادة واضحة للسيد العباس الومغاري من أجل وضع حد لمرحلة سابقة واستخلاص الدروس منها، تمهيدا لإرساء نموذج أكثر قدرة على ضمان استمرارية الخدمة وجودتها.
واللافت في التصور الجديد هو الانتقال من نموذج التدبير المفوض التقليدي إلى التدبير المباشر، في إطار تنسيق مع السلطات المختصة ووزارة الداخلية. وقد صادق المجلس الجماعي على إحداث شركة للتنمية المحلية، إلى جانب وكالة مستقلة «Régie»، بما يتيح للجماعة حضورا أقوى في تدبير هذا المرفق ومراقبته وتوجيهه وفق الحاجيات الفعلية للمدينة ومجالها الترابي.
ويكتسي هذا التحول أهمية تتجاوز البعد التقني، لأنه يعيد طرح سؤال الحكامة في المرافق العمومية المحلية. فنجاح أي نموذج تدبيري لا يقاس فقط بصيغته القانونية، وإنما بقدرته على ضمان الاستمرارية والجودة والنجاعة والاستجابة لحاجيات المواطنين. ومن ثم، فإن النموذج الجديد الذي يراهن على تحقيقه السيد الومغاري سينطلق أولا من تحويل الدروس المستخلصة من الأزمة السابقة إلى آليات عملية للمراقبة والتتبع والتقييم، بما يمنع تكرار الاختلالات ويجعل المصلحة العامة محورا دائما للتدبير.
وفي موازاة ذلك، حظي الملف الاجتماعي للعاملين والمستخدمين بمكانة مركزية في المعالجة، خاصة أن أكثر من 370 أسرة من السائقين والعمال والمستخدمين تأثرت بتوقف الأجور لعدة أشهر لدى الشركة السابقة. ويشكل قرار السيد العباس الومغاري الاحتفاظ بمجموع العاملين وإدماجهم ضمن الوكالة الجماعية الجديدة خطوة ذات دلالة اجتماعية ومهنية، لأنها تضمن استقرارا للأسر المعنية وتحافظ على الخبرة البشرية المتراكمة في القطاع، كما تؤكد أن إصلاح المرفق العمومي لا ينبغي أن يتم على حساب العاملين فيه.
أما على مستوى الأسطول، فإن المرحلة الجديدة تحمل طموحا واضحا لإعادة بناء شبكة النقل الحضري على أسس أكثر ملاءمة لحاجيات مكناس . فقد تم الحصول على دعم من وزارة الداخلية لاقتناء أسطول جديد يتراوح بين 130 و150 حافلة، مع إمكانية رفع العدد إلى حوالي 200 حافلة وفق مستوى الطلب، في تحول كبير مقارنة بالأسطول الذي كانت توفره الشركة السابقة، والذي كان يتراوح بين 40 و60 حافلة فقط.
ولا تكمن أهمية هذا التحول في الزيادة العددية وحدها، بل في قدرته على إعادة تشكيل شبكة النقل بما يستجيب للامتداد العمراني والحركية اليومية للسكان . فالنقل الحضري ليس مجرد وسيلة للانتقال، وإنما هو رافعة للعدالة المجالية، لأنه يربط الأحياء ومراكز العمل والدراسة والخدمات، ويساهم في تقليص الفوارق بين المناطق والفئات. ولذلك، فإن توسيع الأسطول وتحسين انتظام الخطوط وتطوير جودة الخدمة يمكن أن يشكل جزءا أساسيا من سياسة اجتماعية ومجالية أكثر إنصافا.
وتكتسب هذه المقاربة بعدا أوسع مع التأكيد على شمول شبكة النقل لمختلف الجماعات والمجالات الترابية التابعة لعمالة مكناس، بما فيها تولال وآيت ولال وغيرها من المناطق المرتبطة بالحركية اليومية للمدينة. فالتنمية الحضرية الحديثة بالنسبة للسيد الومغاري تقتضي النظر إلى المجال باعتباره منظومة مترابطة، لا باعتباره وحدات منفصلة، وهو ما يجعل النقل أحد أهم الأدوات لتحقيق التكامل بين المدينة ومحيطها.
كما أن اعتماد مرحلة انتقالية تبدأ بما هو متاح من حافلات، مع الرفع التدريجي من مستوى الخدمة كلما اكتمل وصول الأسطول الجديد، يعكس مقاربة عملية تقوم على عدم انتظار اكتمال المشروع في صيغته النهائية قبل الاستجابة لحاجيات المواطنين. فاستمرار معاناة السكان بسبب أزمة النقل يفرض حلولا تدريجية وسريعة في الوقت نفسه، تجمع بين معالجة الحاجة الآنية وبناء الحل المستدام.
ويبقى التحدي الأكبر أمام النموذج الجديد الذي يحرص السيد رئيس جماعة مكناس على تنزيله و تفعيل مختلف مضامينه هو تحويل هذه الخيارات إلى خدمة يومية يشعر المواطن بتحسنها بشكل ملموس. فالمواطن ، كما يؤمن بذلك السيد رئيس الجماعة ، لا يقيس نجاح الإصلاح بعدد الحافلات فقط، وإنما بانتظامها، ونظافتها، وأمنها، واحترام مواقيتها، وحسن معاملة المرتفقين، وقدرتها على تغطية مختلف المناطق.
ولذلك فإن الرهان التي يسعى السيد العباس الومغاري إلى تحقيقه يتمثل في بناء ثقافة جديدة للمرفق العمومي، تقوم أساسا على احترام المواطن والعامل معا ، وعلى اعتبار جودة الخدمة مسؤولية مشتركة ومؤشرا أساسيا على نجاح الحكامة المحلية .
ومن هذه الزاوية، فإن إصلاح النقل الحضري بمكناس بالنسبة لرآسة الجماعة يتجاوز معالجة أزمة «سيتي باص» ليصبح ورشا لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمرفق العمومي . فالمرحلة الجديدة ،كما يؤكد على ذلك السيد الومغاري ، مطالبة بأن تؤسس لعلاقة مختلفة قوامها الشفافية، والنجاعة، والمراقبة، والاستجابة للحاجيات، وربط المسؤولية بالنتائج. وإذا ما تم تنزيل هذه المبادئ بصورة فعلية، فإن النقل ، من منظور اليد الومغاري ، يمكن أن يتحول من مصدر للمعاناة إلى رافعة للتنمية والاندماج الاجتماعي والمجالي.
وفي خضم هذه التحولات، لا يمكن إلا أن نثمن الجهود التي يبذلها رئيس جماعة مكناس في تدبير هذا الملف الشائك، خصوصا في مرحلة اتسمت بتعقيدات قانونية واجتماعية وتدبيرية كبيرة. فقد أبان السيد الومغاري عن إرادة واضحة في تحمل المسؤولية، والانفتاح على الرأي العام، والتنسيق مع السلطات المختصة ووزارة الداخلية، والعمل على إيجاد مخرج مؤسساتي يضع حدا لتداعيات الأزمة، مع إيلاء الملف الاجتماعي للعاملين والمستخدمين ما يستحقه من اهتمام .
وتبرز قيمة هذه الجهود في الانتقال من مجرد تدبير تداعيات الأزمة إلى العمل على بناء نموذج جديد للنقل الحضري، يقوم على توسيع الأسطول، وتحسين الخدمة، وتوسيع التغطية المجالية، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي للعاملين. وبذلك، فإن المقاربة التي اعتمدها رئيس الجماعة تعكس اختيارا قائما على المسؤولية والواقعية والبحث عن الحلول الناجعة ، واضعا مصلحة المواطن واستمرارية المرفق العمومي في صدارة الأولويات.
أكيد أن تجاوز أزمة النقل الحضري بمكناس لا ينبغي أن يُختزل في إنهاء مرحلة «سيتي باص»، بل ينبغي أن يُقاس بحرص و إرادة السيد الومغاري على نجاح المرحلة الجديدة في تأسيس مرفق عمومي أكثر نجاعة واستدامة وعدالة. فامتلاك أسطول جديد، واعتماد تدبير مباشر، وإدماج المستخدمين، وتوسيع الشبكة، كلها عناصر مهمة، لكن قيمتها الحقيقية ، كما يراها السيد العباس الومغاري ستتجسد عندما تتحول إلى خدمة منتظمة وكريمة وموثوقة يستفيد منها المواطن أينما كان داخل المجال الترابي.
ومن ثم، فإن الرهان المطروح اليوم هو أن تتحول هذه المرحلة إلى نقطة انطلاق فعلية نحو نموذج جديد للنقل الحضري بمكناس، يجعل الحكامة والعدالة المجالية والاجتماعية وجودة الخدمة مرتكزات أساسية، ويعيد للمواطن حقه في مرفق عمومي يليق بمكانة المدينة وانتظارات سكانها.
