أخبار مكناس 24 – هيئة التحرير
تعيش ثانوية عمر بن الخطاب التأهيلية بمدينة مكناس مرحلة دقيقة ومفصلية، عنوانها الأبرز الانتقال من وضعية طبعتها، وفق تعبيرات متداولة داخل أوساط من المجتمع المدرسي، جملة من الإكراهات المرتبطة بالتواصل والتدبير والحكامة الداخلية ، إلى أفق جديد تراهن فيه مختلف مكونات المؤسسة على قيادة تربوية أكثر انفتاحا وفعالية، قادرة على إعادة ترتيب الأولويات واستعادة الثقة وإطلاق دينامية مؤسساتية تجعل من الثانوية فضاء للتميز الدراسي والإبداع الثقافي والتألق الرياضي .
وقد أفرزت مغادرة المدير السابق للمؤسسة حالة من الارتياح لدى عدد من مكوناتها ، من أطر إدارية وتربوية وتلاميذ التعليم الثانوي التأهيلي والأقسام التحضيرية، فضلا عن جمعية أمهات وآباء وأولياء التلاميذ وعدد من الشركاء ، وهي حالة ينبغي قراءتها، مهنيا ومؤسساتيا، باعتبارها تعبيرا عن تطلع إلى مرحلة جديدة أكثر انسجاما مع انتظارات المجتمع المدرسي، وليس باعتبارها مناسبة لتصفية الحسابات مع المرحلة السابقة أو اختزال مسار المؤسسة في شخص من أشخاصها.
غير أن الموضوعية تقتضي في الوقت نفسه الاعتراف بأن المرحلة السابقة خلفت، بحسب ما تعكسه انتظارات عدد من الفاعلين داخل المؤسسة، أسئلة جدية حول فعالية التواصل الإداري، ونجاعة التدبير، وقدرة القيادة التربوية على احتواء التباينات وتحويلها إلى فرص للتعاون والعمل المشترك. فحين يغيب التواصل المؤسساتي المنتظم، و حين تكون المهام أكبر من المقاس ، تتسع مساحات العشوائية في التدبير ، وحين لا تكون القرارات مؤطرة برؤية واضحة ومشتركة، يصبح التدبير اليومي أكثر عرضة للارتباك ، وحين لا تتناسب متطلبات المسؤولية مع أدوات القيادة اللازمة لها، فإن المؤسسة قد تجد نفسها أمام وضعية تتجاوز فيها المهام حجم الإمكانات التدبيرية المتاحة.
ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من هذه المرحلة أن الإدارة التربوية لم تعد مجرد ممارسة إدارية تستند إلى تنفيذ المساطر وتدبير الملفات، بل أصبحت قيادة استراتيجية لمنظومة بشرية معقدة، تتداخل فيها حاجات المتعلمات و المتعلمين وانتظارات الأسر، ومهام الأطر التربوية والإدارية، ومتطلبات التكوين والنتائج الدراسية، فضلا عن ضرورة الانفتاح على المحيط والشركاء. ومن ثم، فإن نجاح أي إدارة يقاس بقدرتها على بناء الثقة قبل إصدار التعليمات ، وعلى الإقناع قبل التدبير، وعلى التعبئة قبل مطالبة الآخرين بالانخراط .
وفي هذا السياق، تكتسي الإرادة التي عبّر عنها المدير الجديد أهمية خاصة، بالنظر إلى ما رافقها من حرص معلن على فتح صفحة جديدة، والإنصات إلى مختلف مكونات المجتمع المدرسي، وتحسين قنوات التواصل، وتعبئة الطاقات والكفاءات، وإعادة الاعتبار للعمل الجماعي، وجعل المؤسسة أكثر انفتاحا على محيطها. وهي إرادة تستحق التثمين، لأنها تعكس وعيا بأن معالجة تراكمات المرحلة السابقة لا يمكن أن تتم بمنطق القطيعة الشكلية، وإنما عبر بناء تدريجي لثقافة مؤسساتية جديدة قوامها الثقة والمسؤولية والإنصات والنجاعة.
فالمدير الجديد يوجد اليوم أمام فرصة حقيقية لتحويل هذه الإرادة إلى ممارسة ملموسة، من خلال اعتماد مقاربة تشاركية تجعل الأطر الإدارية والتربوية شركاء في صناعة القرار، وتمنح التلاميذ مساحة أكبر للمبادرة والمشاركة في الحياة المدرسية، وتعيد لجمعية أمهات وآباء وأولياء التلاميذ دورها كشريك مؤسساتي، وتفتح آفاقا جديدة أمام الشركاء القادرين على الإسهام في تطوير العرض التربوي والثقافي والرياضي للمؤسسة.
والرهان هنا يتعلق بإعادة المؤسسة بناء مشروعها التربوي على أسس أكثر طموحا. فثانوية تضم التعليم الثانوي التأهيلي والأقسام التحضيرية تمتلك من الإمكانات البشرية والتكوينية ما يؤهلها لكي تصبح مختبرا للتميز، ومشتلا للمواهب، وفضاء للابتكار، ومنصة للإشعاع الثقافي والعلمي والرياضي، شريطة أن تتوفر لها قيادة تستثمر هذه الإمكانات ضمن رؤية واضحة ومتكاملة.
ومن هنا، فإن استعادة أمجاد ثانوية عمر بن الخطاب التأهيلية لا ينبغي أن تظل مجرد أمنية أو شعار، بل ينبغي أن تتحول إلى مشروع مؤسساتي قابل للقياس، يبدأ بتحسين المناخ التربوي والمدرسي، ويمر عبر الارتقاء بالنتائج الدراسية، وتشجيع الأنشطة الثقافية و البيئية والفنية والرياضية، ودعم المبادرات العلمية والتكنولوجية، وتقوية حضور الأقسام التحضيرية، وتوسيع شبكة الشراكات، وصولا إلى بناء صورة جديدة للمؤسسة على المستويين الجهوي والوطني، بل والانفتاح على تجارب وشراكات ذات بعد دولي متى توفرت شروطها.
أكيد أن المدير الجديد، وهو يباشر مسؤولياته في هذه الظرفية، لا يملك ترف الانتظار طويلا، كما أن المجتمع المدرسي لا ينتظر منه المعجزات، وإنما ينتظر مؤشرات أولية تؤكد أن منطق العمل قد تغير : تواصل أكثر انتظاما، إنصات أكبر، تدبير أكثر نجاعة، عدالة في التعامل، وضوح في الرؤية، وتشجيع للمبادرة، وحضور فعلي للإدارة في مختلف تفاصيل الحياة المدرسية. فهذه العناصر البسيطة في ظاهرها هي التي تصنع، في نهاية المطاف، الفارق بين إدارة تكتفي بتدبير الموجود وإدارة تمتلك القدرة على صناعة المستقبل.
كما أن نجاح المرحلة الجديدة لن يكون مسؤولية المدير وحده. فالقائد التربوي مهما بلغت كفاءته لا يستطيع بناء مؤسسة قوية دون فريق منخرط، وأطر تربوية تشعر بالتقدير والمسؤولية، وتلاميذ يجدون في المؤسسة فضاء للاعتراف بقدراتهم، وأسر تواكب المسار التربوي لأبنائها، وشركاء مستعدين للاستثمار في المدرسة. ولذلك فإن المطلوب هو تحويل الارتياح الذي رافق بداية المرحلة الجديدة ، بعد مرحلة الإدارة السابقة الغير المؤسوف عليها ، إلى رأسمال ثقة، ثم تحويل الثقة إلى تعبئة، والتعبئة إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج ملموسة.
وبذلك تصبح مغادرة الإدارة السابقة محطة للتعلم المؤسساتي لا مجرد نهاية مرحلة، ويصبح قدوم الإدارة الجديدة فرصة لإعادة بناء ما يحتاج إلى إعادة بناء، وتثبيت ما يستحق التثبيت، وتطوير ما يمكن تطويره. والأهم من ذلك أن تتحول المؤسسة من فضاء تحكمه ردود الأفعال والإكراهات اليومية إلى مؤسسة تستبق حاجاتها، وتخطط لمستقبلها، وتستثمر طاقاتها، وتقيس نجاحها بالنتائج والأثر
.
إن ثانوية عمر بن الخطاب التأهيلية تمتلك، بحكم تاريخها و موقعها ومكوناتها وإمكاناتها البشرية، مقومات تؤهلها لاستعادة حضورها ضمن المؤسسات التعليمية النشيطة بمكناس والجهة وعلى الصعيد الوطني والدولي. .
وما تحتاجه اليوم هو قيادة تؤمن بأن المدرسة مشروع جماعي، وأن الإدارة خدمة عمومية قبل أن تكون سلطة تدبيرية، وأن الإشعاع الحقيقي لا يصنع بالخطاب، وإنما بالعمل والإنجاز والاستمرارية.
ومن هذه الزاوية، فإن الإرادة التي عبّر عنها المدير الجديد وحرصه على الإنصات والتواصل وإعادة ترتيب البيت الداخلي وتعبئة مختلف الطاقات، تشكل مؤشرا إيجابيا يستحق الدعم والمواكبة. غير أن قيمة هذه الإرادة ستظل مرتبطة بقدرتها على التحول إلى سياسات وممارسات ومشاريع ونتائج.
فالمجتمع المدرسي لا يريد فقط إدارة جديدة، بل يريد نفسا جديدا ؛ ولا ينتظر مجرد تغيير في المسؤول ، بل يتطلع إلى تغيير في طريقة التدبير وثقافة العمل.
وإذا استطاعت الإدارة الحالية أن تجعل من هذه اللحظة نقطة انطلاق فعلية، وأن توحد مختلف مكونات المؤسسة حول مشروع تربوي واضح، فإن ثانوية عمر بن الخطاب التأهيلية قد تكون أمام فرصة تاريخية لاستعادة مكانتها، وإعادة بناء إشعاعها، وفتح صفحة جديدة عنوانها: الثقة بدل التوتر، التواصل بدل الانغلاق، العمل الجماعي بدل الفردانية، والإنجاز بدل الشعارات. وعندها فقط يمكن القول إن المؤسسة لم تكتف بتجاوز إرث مرحلة سابقة ، بل نجحت في نفض غبار مرحلة سابقة ،و تحويل تحدياتها إلى قوة دفع نحو مستقبل تربوي أكثر إشراقا وتميزا.
دون شك أن المهام الملقاة على عاتق الإدارة السابقة كانت ، في تقدير عدد من مكونات المؤسسة، أكبر من المقاس التدبيري المتاح لها، بما أفرز من اختلالات في التواصل والنجاعة والقدرة على مواكبة انتظارات مجتمع مدرسي متعدد الرهانات.
واليوم ، ينعقد الأمل على السيد المدير الجديد في أن يحول الإرادة التي عبّر عنها إلى ممارسة مؤسساتية قوامها التواصل، والإنصات، والحكامة، والتعبئة، والنجاعة، وأن يقود، بتعاون مع مختلف مكونات المؤسسة، ورش إعادة بناء الثقة واستعادة الإشعاع التربوي والثقافي والرياضي لثانوية عمر بن الخطاب التأهيلية، بما يعيد إليها المكانة التي تليق بها محليا وجهويا ووطنيا و دوليا .


