أخبار مكناس 24 – هيئة التحرير
أعاد التجمع الانتخابي الذي عقده السيد إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يوم السبت 19 شتنبر 2026 بمدينة مكناس، طرح عدد من القضايا التي تشكل جوهر النقاش السياسي والاجتماعي عشية اقتراع 23 شتنبر، من خلال خطاب جمع بين نقد أداء الأغلبية الحكومية، واستحضار مطلب العدالة الاجتماعية والمجالية، والتأكيد على ضرورة ربط البرامج الانتخابية بالحصيلة الفعلية للتدبير العمومي.
وفي قراءة لمضامين الخطاب، يبرز ملف العدالة المجالية باعتباره أحد محاوره المركزية، بالنظر إلى ما تمثله مكناس من ثقل تاريخي ومؤسساتي واقتصادي داخل جهة فاس-مكناس. فقد استحضر السيد لشكر ما اعتبره مفارقة بين الدينامية التي تعرفها بعض الأقطاب الترابية وبين محدودية استفادة العاصمة الإسماعيلية من عدد من المشاريع والبنيات الكبرى، في سياق يتنامى فيه النقاش المحلي حول موقع المدينة ضمن خريطة التنمية الوطنية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة، لأن العدالة المجالية لم تعد مجرد مطلب مرتبط بتوزيع الاستثمارات، وإنما أصبحت جزءاً من النقاش حول فعالية السياسات العمومية وقدرتها على تحقيق تكافؤ الفرص بين مختلف المجالات الترابية. ومن هذا المنظور، جعل الخطاب الاتحادي من التفاوتات المجالية موضوعاً للمساءلة السياسية، من خلال طرح سؤال الأولويات العمومية ومدى قدرتها على تحقيق توازن فعلي بين مختلف الأقطاب.
وعلى المستوى الاجتماعي، ركز الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي على قضايا القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار والمحروقات والدخل والحريات الاجتماعية، مقدماً هذه الملفات باعتبارها عناصر أساسية في تقييم الأداء الحكومي. كما انتقد ما وصفه بتناقض مواقف الأغلبية من بعض المقترحات الاجتماعية التي تقدم بها الفريق الاشتراكي داخل المؤسسة التشريعية، متهما مكونات حكومية بإعادة تقديم بعض الأفكار نفسها ضمن برامج انتخابية جديدة.
وفي هذا السياق، طرح السيد لشكر أولوية مساءلة الحصيلة قبل الانخراط في الوعود المستقبلية، داعياً إلى التعامل مع الاستحقاق الانتخابي باعتباره مناسبة لتقييم ما تحقق فعليا، وليس فقط فضاءً لعرض برامج جديدة. وهي مقاربة تضع العلاقة بين الناخب والمؤسسات المنتخبة في إطار من المسؤولية والمحاسبة، وتجعل من الحصيلة أحد محاور النقاش العمومي حول الخيارات السياسية والاجتماعية.
كما حمل اللقاء بعدا تنظيميا واضحا من خلال تقديم اللائحة المحلية للحزب بمدينة مكناس، التي يقودها المرشح محمد عمر الرزكي، بما يعكس رهان الاتحاد الاشتراكي على تجديد حضوره السياسي محلياً، والربط بين تجربته التاريخية وبين الدفع بوجوه شابة إلى واجهة الاستحقاق الانتخابي. ويعكس هذا الاختيار توجهاً نحو إعادة بناء الصلة مع فئات جديدة من الناخبين، من خلال الجمع بين المرجعية الاجتماعية للحزب ومتطلبات التجديد السياسي والتنظيمي.
وفي بعد آخر، استعاد لشكر البعد الدولي في هوية الاتحاد الاشتراكي، من خلال تأكيده على علاقات الحزب مع تنظيمات الاشتراكية الدولية واليسار التقدمي، وربط ذلك بمواقفه من القضايا الدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وبهذا المعنى، قدم الخطاب الهوية السياسية للحزب باعتبارها منظومة من المبادئ والمواقف التي تتجاوز حدود البرنامج الانتخابي الظرفي.
وتكشف محطة مكناس، في مجملها، عن سعي الاتحاد الاشتراكي إلى بناء خطاب انتخابي متعدد الأبعاد، يجمع بين البعد الاجتماعي من خلال التركيز على القدرة الشرائية والدخل، والبعد المجالي عبر جعل العدالة الترابية في صلب النقاش، والبعد السياسي من خلال مساءلة الحصيلة الحكومية، إلى جانب البعد التنظيمي المرتبط بتجديد النخب وتعزيز الحضور المحلي للحزب.
وتتجاوز دلالة هذا الخطاب حدود النقد السياسي للأغلبية، إلى إعادة وضع مكناس داخل النقاش الوطني حول نموذج التنمية وتوزيع ثمارها. فالعاصمة الإسماعيلية، بما تختزنه من تاريخ ورصيد مؤسساتي وموقع داخل النسيج الوطني، تظل معنية بسؤال جوهري يتجاوز حدود الحملات الانتخابية: كيف يمكن تحويل مؤهلاتها التاريخية والبشرية والمجالية إلى رافعة لتنمية مستدامة ومتوازنة، تعزز موقعها ضمن الدينامية الوطنية؟
وفي هذا الإطار، شكل حضور السيد إدريس لشكر بمكناس محطة سياسية لافتة، ليس فقط من خلال الحضور التنظيمي للحزب، وإنما أيضا عبر خطاب واضح ومتماسك أعاد قضايا العدالة المجالية والإنصاف الاجتماعي ومساءلة الحصيلة إلى صدارة النقاش الانتخابي، مستحضرا خصوصية العاصمة الإسماعيلية ورهاناتها التنموية، ومؤكدا أن الاستحقاق الانتخابي يظل، في جوهره، مناسبة لتجديد النقاش حول انتظارات المواطنين وأولويات التنمية ومسؤولية المؤسسات المنتخبة.



